الأربعاء، 1 فبراير 2012

علماء السنة يجيزون التوسل والتبرك والاستغاثة بالانبياء والائمة والاولياء

أقدم لكم قول أكثر من 25 عالم سنّي يجيز التوسل و التبرك و الإستغاثة بالأنبياء و الأئمة و أولياء الله الصالحين:



1) الإمام أحمد بن حنبل :


يقول أبو الحسن المرداوي الحنبلي : يجوز التوسل بالرجل الصالح على الصحيح من المذهب ، وقيل يستحب . قال الإمام أحمد للمروذي : يتوسل بالنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم في دعائه ، وجزم به في المستوعب وغيره ، وجعله الشيخ تقي الدين كمسألة اليمين به قال والتوسل بالإيمان به وطاعته ومحبته والصلاة والسلام عليه وبدعائه وشفاعته ونحوه مما هو من فعله أو أفعال العباد المأمور بها في حقه مشروع إجماعا وهو من الوسيلة المأمور بها في قوله تعالى : ((اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة )). المصدر: كتاب الإنصاف - فيما ترجح من الخلاف - المجلّد الثاني - صفحة 456 - طبعة دار إحياء التراث العربي (بيروت).


وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري: فنقل عن الإمام أحمد أنه سئل عن تقبيل منبر النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم وتقبيل قبره فلم ير به بأساً , واستبعد بعض أتباعه صحة ذلك , ونقل عن بن أبي الصيف اليماني أحد علماء مكة من الشافعية جواز تقبيل المصحف وأجزاء الحديث وقبور الصالحين وبالله التوفيق. المصدر: فتح الباري - المجلّد الثالث - صفحة 475 - طبعة دار إحياء التراث العربي (بيروت) سنة 1379هـ .



وقال العيني في عمدة القاري: وقال شيخنا زين الدين وأما قول الشافعي ومهما قبل من البيت فحسن. إلى أن قال: وقال أيضا وأخبرني الحافظ أبو سعيد ابن العلائي قال : رأيت في كلام أحمد بن حنبل في جزء قديم عليه خط ابن ناصر وغيره من الحفاظ : أن الإمام أحمد سئل عن تقبيل قبر النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم وتقبيل منبره فقال : لا بأس بذلك , قال : فأريناه للشيخ تقي الدين بن تيمية , فصار يتعجب من ذلك ويقول : عجبت أحمد عندي جليل يقوله هذا كلامه أو معنى كلامه , وقال : وأي عجب في ذلك وقد روينا عن الإمام أحمد أنه غسل قميصاً للشافعي وشرب الماء الذي غسله به وإذا كان هذا تعظيمه لأهل العلم فكيف بمقادير الصحابة وكيف بآثار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. المصدر: عمدة القاري - المجلّد التاسع - صفحة 241.


2) قال العلامة السمهودي:


اعلم أنّ الاستغاثة والتشفع بالنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم وبجاهه وبركته إلى ربه تعالى من فعل الأنبياء والمرسلين ، وسيرة السلف الصالحين ، واقعٌ في كل حال ، قبل خلقه صلى الله عليه (وآله) وسلم وبعد خلقه ، في حياته الدنيوية ، ومدة البرزخ ، وعرصات يوم القيامة. المصدر: وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى - المجلّد الرابع - صفحة 1371 - دار الباز للنشر و التوزيع (بيروت) و أيضاً تجدونها في الطبعة الرابعة - مكة المكرّمة سنة 1404 هـ - 1984م.



ثمّ قال في صفحة بعدها: وقد يكون التّوسّل به صلى الله عليه (وآله) وسلم بطلب ذلك الأمر منه بمعنى أنّه صلى الله عليه (وآله) وسلم قادرٌ على التّسبّب فيه بسؤاله وشفاعته إلى ربّه فيعود إلى طلب دعائه وإن اختلفت العبارة. ومنه قول القائل له: أسألك مرافقتك في الجنّة -الحديث-، ولا يُقصد منه إلاّ كونه صلى الله عليه (وآله) وسلم سبباً وشافعاً. المصدر: وفاء الوفا - المجلّد الرابع - صفحة 1374 - 1375.


3) الإمام الطبراني:



يقول الذهبي: عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أبو الفضل بغدادي مسند كبير القدر وعن أبي بكر بن أبي علي قال : كان ابن المقرئ يقول : كنت أنا والطبراني وأبو الشيخ في مدينة الرسول صلى الله عليه (وآله) وسلم فضاق بنا الوقت فواصلنا ذلك اليوم فلما كان وقت العشاء حضرت القبر وقلت : يا رسول الله الجوع . فقال لي الطبراني : اجلس فإما أن يكون الرزق أو الموت فقمت أنا وأبو الشيخ فحضر الباب علوي ففتحنا له وإذا معه غلامان بزنبيلين فيهما شيء كثير وقال : يا قوم شكوتموني إلى النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم فإني رأيته فأمرني بحمل شيء إليكم . المصدر: تاريخ الإسلام - المجلّد الأول - صفحة 2808.





4) أبي علي الخلال: أخبرنا القاضي أبو محمد الحسن بن الحسين بن محمد بن رامين الإستراباذي قال أنبأنا أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي قال سمعت الحسن بن إبراهيم أبا علي الخلال يقول : ما همني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسلت به إلا سهّل الله تعالى لي ما أحب. المصدر: تاريخ بغداد - الجلّد الأول - صفحة 120 باب ( ما ذكر في مقابر بغداد المخصوصة بالعلماء و الزهاد) أقول رواة السند كلّهم ثقاة من المحدثين، و ذكره إبن الجوزي في المنتظم - المجلّد التاسع - صفحة 88 في ترجمة الإمام موسى الكاظم عليه السلام.





5) الآلوسي:


النص طويل لذا إستقطع منه موضع الشاهد... وبعد هذا كلـه لا أرى بأساً في التوسـل إلى الله بجاه النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم عند الله تعالى حياً وميتاً ، ويراد معنى يرجع إلى صفة من صفاته تعالى ، مثل أنْ يراد به المحبة التامة المستدعية عدم رده وقبول شفاعته ، فيكون معنى قول القائل : إلهي أتوسل إليك بجاه نبيك صلى الله عليه (وآله) وسلم أنْ تقضي لي حاجتي ، إلهي اجعل محبتك له وسيلة في قضاء حاجتي ، ولا فرق بين هذا وقولك : إلهي أتوسل برحمتك أنْ تفعل كذا ، إذْ معناه أيضاً : إلهي اجعل رحمتك وسيلة في فعل كذا ، بل لا أرى بأساً بالإقسام على الله تعالى بجاهه صلى الله عليه (وآله) وسلم بهذا المعنى ، والكلام في الحرمة كالكلام في الجاه ، ولا يجري ذلك في التوسل والإقسام بالذات ، نعم لم يعهد التوسل بالجاه والحرمة عن أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم . المصدر: تفسير روح المعاني - المجلّد الرابع - صفحة 187 - طبعة دار الفكر (بيروت).


و قال أيضاً في الصفحة التي تليها: إنّ التوسل بجاه غير النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم لا بأس به أيضاً إنْ كان المتوسل بجاهه مما علم أنّ له جاهاً عند الله تعالى كالمقطوع بصلاحه وولايته ... الخ .


6) محي الدين النووي :


النص طويل لذا إستقطع منه موضع الشاهد ... ثم يرجع إلى موقفه الأول قبالة وجه رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ، ويتوسل به في حق نفسه ، ويستشفع به إلى ربه سبحانه وتعالى ، ومن أحسن ما يقول ما حكاه الماوردي والقاضي أبو الطيب وسائر أصحابنا عن العتبي مستحسنين له ، قال : كنت جالساً عند قبر رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فجاء أعرابي فقال : السلام عليك يا رسول الله ، سمعت الله يقول : (( ولو أنهم إذْ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيما )) ، وقد جئتك مستغفراً من ذنبي مستشفعاً بك إلى ربي ، ثم أنشأ يقول :


يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم


نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم


ثم انصرف ، فحملتني عيناي ، فرأيت النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم في النوم فقال : يا عتبي الحق الأعرابي فبشره بأنّ الله قد غفر له. المصدر: المجموع شرح المهذّب - المجلّد الثامن - صفحة 274 - طبعة دار الفكر (بيروت).



7) تقي الدين ابن قدامة المقدسي:


ويستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم وصاحبيه وما يقال عند الزيارة فصل : ويستحب زيارة قبل النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي ) وفي رواية ( من زار قبري وجبت له شفاعتي ) رواه اللفظ الأول سعيد ثنا حفص سليمان عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر وقال أحمد في رواية عبد الله عن يزيد بن قسيط عن أبي هريرة ( أن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قال : ما من أحد يسلم علي عند قبري إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام ) وإذا حج الذي لم يحج قط يعني من غير طريق الشام لا يأخذ على طريق المدينة لأني أخاف أن يحدث به حدث فينبغي أن يقصد مكة من أقصر الطريق ولا يتشاغل بغيره ويروى عن العتبي قال : كنت جالسا عند قبر النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم فجاء إعرابي فقال : السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما } وقد جئتك مستغفرا لذنبي مستشفعا بك إلى ربي ثم أنشأ يقول :



(يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم)
(نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم)


ثم انصرف الإعرابي فحملتني عين فنمت فرأيت النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم في النوم فقال : عتبي الحق الإعرابي فبشره أن الله قد غفر له ... ). المصدر: المغني في فقه الإمام أحمد - المجلّد الثالث - صفحة 599.



8) الطحطاوي الحنفي :


قوله فيتوسل إليه بصاحبيه ذكر بعض العارفين أن الأدب في التوسل أن يتوسل بالصاحبين إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه (وآله) وسلم ثم به إلى حضرة الحق جل جلاله وتعاظمت أسماؤه فإن مراعاة لواسطة عليها مدار قضاء الحاجات . المصدر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح - صفحة 360 - طبعة مكتبة البابي الحلبي (القاهرة) سنة 1318 هـ.


9) محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني:


بشأنْ ما ورد من توسل عمر بالعباس : وهذه القصة دليل على الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وبيت النبوة ، وفيه فضيلة العباس وتواضع عمر ، ومعرفته لحق أهل البيت صلى الله عليهم. المصدر: سبل السلام - المجلّد الثاني - صفحة 168 و التي تليها - طبعة دار الكتب العلمية (بيروت) سنة 1408 هـ - 1988م.



10) محمد بن محمد العبدوي القيرواني المالكي :


فمن توسل به أو استغاث به أو طلب حوائجه منه فلا يرد ولا يخيب ، لما شهدت به المعاينة والآثار ..... إلى أنْ قال : فالتوسل به صلى الله عليه (وآله) وسلم هو محط إهمال الأوزار وأثقال الذنوب والخطايا ، لأنّ بركة شفاعته عليه صلى الله عليه (وآله) وسلم وعظمها عند ربه لا يتعاظمها ذنب ، إذْ أنها أعظم من الجميع ، فليستبشر من زاره ، وليلجأ إلى الله تعالى بشفاعة نبيه صلى الله عليه (وآله) وسلم من لم يزره ، اللهم لا تحرمنا شفاعته بحرمته عندك آمين رب العالمين . المصدر: المدخل - المجلّد الأول - صفحة 257.



11) التاج السبكي:



اعلم أنه يجوز ويحسن التوسل والاستغاثة والتشفع بالنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم إلى ربه سبحانه وتعالى ، وجواز ذلك وحسنه من الأمور المعلومة لكل ذي دين ، المعروفة من فعل الأنبياء والمرسلين ، وسيرة السلف الصالحين ، والعلماء والعوام من المسلمين ، ولم ينكر ذلك أحد من أهل الأديان ، ولا سمع به في زمن من الأزمان ، حتى جاء ابن تيمية ، فتكلم في ذلك بكلام يلبس فيه على الضعفاء الأغمار ، وابتدع ما لم يُسبق إليه في ساء الأعصار ، ولهذا طعن في الحكاية التي تقدم ذكرها عن مالك ، فإنّ فيها قول مالك للمنصور : استشفع به ، ونحن قد بينا صحتها ، ولذلك أدخلنا الاستغاثة لما يعرض إليها مع الزيارة ، وحسبك أنّ إنكار ابن تيمية للاستغاثة والتوسل قول لم يقله عالم قبله ، وصار به بين أهل الإسلام مثله ، وقد وقفت له على كلام طويل في ذلك ، رأيت من الرأي القويم أميل عنه إلى الصراط المستقيم ، ولا أتتبعه بالنقض والإبطال ، فإنّ دأب العلماء القاصدين لإيضاح الدين وإرشاد المسلمين تقريب المعنى إلى أفهامهم ، وتحقيق مرادهم وبيان حكمه ، ورأيت كلام هذا الشخص بالضد من ذلك ، فالوجه الإضراب عنه.

المصدر: شفاء السقام - صفحة 171 - طبعة مكتبة جوامع الكلم (القاهرة) سنة 1984م.


وأقول : إنّ التوسل بالنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم جائز في كل حال قبل خلقه وبعد خلقه في مدة حياته في الدنيا وبعد موته ، مدة البرزخ وبعد البعث في عرصات القيامة والجنة ، وهو على ثلاثة أنواع :

النوع الأول : أنْ يتوسل به ، بمعنى أنّ طالب الحاجة يسأل الله تعالى به أو بجاهه أو ببركته ، فيجوز ذلك في الأحوال الثلاثة ، وقد ورد في كل منها خبر صحيح .

أما الحالة الأولى قبل خلقه فيدل لذلك آثار عن الأنبياء الماضين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، اقتصرنا منها على ما تبين لنا صحته ، وهو ما رواه الحاكم أبو عبد الله بن البيع في المستدرك على الصحيحين ، أو أحدهما ، قال : حدثنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن منصور العدل ، حدثنا أبو الحسن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنضلي ، حدثنا أبو الحارث عبد الله بن مسلم الفهري ، حدثنا إسماعيل بن مسلمة ، أنبأنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن جده عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم لما اقترف آدم عليه السلام الخطيئة قال : يارب ، أسألك بحق محمد لما غفرت لي ، فقال الله : يا آدم ، وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه ؟ قال : يارب ، لأنك لما خلقتني بيدك ، ونفخت في من روحك ، ورفعت رأسي ، فرأيت على قوائـم العرش مكتوباً : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فعرفت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك . فقال الله : صدقت يا آدم ، إنه لأحب الخلق إليّ إذْ سألتني بحقه ، فقد غفرت لك ، ولولا محمد صلى الله عليه (وآله) وسلم ما خلقتك .
قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ، وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب .

ورواه البيهقي أيضاً في دلائل النبوة ، وقال : تفرد به عبد الرحمن ، وذكره الطبراني وزاد فيه : وهو آخر الأنبياء من ذريتك .

وذكر الحاكم مع هذا الحديث أيضاً عن علي بن حماد العدل ، حدثنا هارون بن العباس الهاشمي ، حدثنا جندل بن والق ، حدثنا عمرو بن أوس الأنصاري ، حدثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، عن ابن عباس قال : أوحى الله إلى عيسى عليه السلام : يا عيسى ، آمن بمحمد صلى الله عليه (وآله) وسلم ، وأمر من أدركه من أمتك أنْ يؤمنوا به ، فلولا محمد صلى الله عليه (وآله) وسلم ما خلقت آدم ، ولولاه ما خلقت الجنة والنار ، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب ، فكتبت عليه لا إلي إلا الله فسكن . قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه . انتهى ما قاله الحاكم . المصدر: شفاء السقام - صفحة 171 و التي تليها.


قال السبكي أيضاً أثناء نقله لكلمات الحنابلة في استحباب زيارة قبر النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم : وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الحسين بن أحمد بن القاسم بن إدريس السامري في كتاب المستوعب ، باب زيارة قبر الرسول صلى الله عليه (وآله) وسلم : وإذا قدم مدينة الرسول صلى الله عليه (وآله) وسلم استحب أنْ يغتسل لدخولها ، ثم يأتي مسجد الرسول صلى الله عليه (وآله) وسلم ، ويقدم رجله اليمنى في الدخول ، ثم يأتي حائط القبر فيقف ناحيته ، ويجعل القبر تلقاء وجهه ، والقبلة خلف ظهره ، والمنبر عن يساره ، وذكر كيفية السلام والدعاء إلى آخره ، ومنه : اللهم إنك قلت في كتابك لنبيك صلى الله عليه (وآله) وسلم : (( ولو أنهم إذْ ظلموا أنفسهم جاءوك )) الآية ، وإني قد أتيت نبيك مستغفراً ، فأسألك أنْ توجب لي المغفرة ، كما أوجبتها لمن أتاه في حياته ، اللهم إني أتوجه إليك بنبيك صلى الله عليه (وآله) وسلم .


قال السبكي بعد ذلك : وذكر دعاءاً طويلاً ثم قال : وإذا أراد الخروج عاد إلى قبر رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فودع .


قال السبكي :أنظر إلى هذا المصنف من الحنابلة الذين الخصم متمذهب بمذهبهم كيف نص على التوجه بالنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ، وكذلك أبو منصور الكرماني من الحنفية قال : إنْ كان أحد أوصاك بتبليغ السلام تقول : السلام عليك يا رسول الله ، من فلان بن فلان يستشفع بك إلى ربك بالرحمة والمغفرة فاشفع له. المصدر: شفاء السقام - صفحة 70.

قال السبكي : زيارته صلى الله عليه (وآله) وسلم إنما هي لتعظيمه والتبرك به ، ولتنالنا الرحمة بصلاتنا وسلامنا عليه ، كما أنا مأمورون بالصلاة عليه والتسليم ، وسؤال الوسيلة وغير ذلك ، مما يعلم أنه حاصل له صلى الله عليه (وآله) وسلم بغير سؤالنا ، ولكن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم أرشدنا إلى ذلك لنكون بدعائنا له متعرضين للرحمة التي رتبها الله تعالى على ذلك .


ثم قال : فإنْ قلت : الفرق أيضاً أنّ غيره لا يخشى فيه محذور ، وقبره صلى الله عليه (وآله) وسلم يخشى من الإفراط في تعظيمه أنْ يُعبد .
قلت : هذا كلام تقشعر منه الجلود ، ولولا خشية اغترار الجهال به لما ذكرته ، فإنّ فيه تركاً لما دلت عليه الأدلة الشرعية بالآراء الفاسدة الخيالية ...الخ . المصدر: شفاء السقام - صفحة 90 و التي تليها.

وقال السبكي أيضاً : فصار لفظ الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم له معنيان:
أحدهما : أنْ يكون مستغاثاً .
وثانيهما : أنْ يكون مستغاثاً به ، والباء للاستعانة ، فقد ظهر جواز إطلاق الاستغاثة والتوسل جميعاً ، وهذا أمر لا يُشك فيه ، فإنّ الاستغاثة في اللغة طلب الغوث ، وهذا جائز لغة وشرعاً من كل من يقدر عليه بأي لفظ عبر عنه الخ . المصدر: شفاء السقام - صفحة 180.

12) الإمام القسطلاني:
حكاية وقعت له وتشفّع فيها بالنّبيّ صلى الله عليه (وآله) وسلم فقُضيت له حاجته.
قال:
(( ووقع لي أيضاً في سنة خمس وثمانين وثمنمائة في طريق مكّة ، بعد رجوعي من الزّيارة الشّريفة لقصد مصر ، أنْ صُرعت خادمتنا غزال الحبشيّة ، واستمرّ بها أيّاماً ، فاستشفعتُ به صلى الله عليه (وآله) وسلم في ذلك ، فأتاني آتٍ في منامي ، ومعه الجنّي الصّارع لها فقال: لقد أرسله لك النّبيّ صلى الله عليه (وآله) وسلم فعاتبه وحلّفته أن لا يعود إليها ، ثمّ استيقظتُ وليس بها قلبة* كأنّما نشطت من عقال ، ولا زالت في عافية من ذلك حتّى فارقتها بمكّة سنة أربع وتسعين وثمن مائة ، والحمد لله ربّ العالمين.)). المصدر: المواهب اللدنية - الإمام القسطلاني - المجلّد الرابع - صفحة 594 و التي تليها.
13) محمد بن عبد الوهاب في مسائله وفتاواه :
العاشرة- قولهم في الاستسقاء: لا بأس بالتوسلبالصالحين: وقول أحمد: يتوسل بالنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم خاصة, مع قولهم إنه لا يستغاث بمخلوق,فالفرق ظاهر جداً, وليس الكلام مما نحن فيه, فكون بعض يرخص بالتوسلبالصالحين وبعضهم يخصه بالنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم , وأكثرالعلماء ينهى عن ذلك ويكرهه, فهذه المسألة من مسائل الفقه, ولو كان الصواب عندناقول الجمهور إنه مكروه فلا ننكر على من فعله, ولا إنكار في مسائل الاجتهاد, لكن
إنكارنا على من دعا لمخلوق أعظم مما يدعو الله تعالى, ويقصد القبر يتضرع عند ضريحالشيخ عبد القادر أو غيره يطلب فيه تفريج الكربات, وإغاثة اللهفات, وإعطاء الرغباتفأين هذا ممن يدعو الله مخلصاً له الدين لا يدعو مع الله أحداً, ولكن يقول فيدعائه: أسألك بنبيك, أو بالمرسلين, أو بعبادك الصالحين, أو يقصد قبر معروف أو غيرهيدعو عنده, لكن لا يدعو (إلا) الله مخلصاً له الدين, فأين هذا مما نحن فيه؟ المصدر: فتاوي و مسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب المسألة الرابعة عشر متفرع منها المسألة العاشرة.



14) محمد بن المنكدر :
قال الحافظ ابن عساكر في تاريخه: قرأنا على أبي غالب وأبي عبد الله ابني البناء , عن أبي الحسن بن مخلد , أنبأنا أبو الحسن بن خزفة , أنبأنا محمد بن الحسين بن محمد, حدثنا بن أبي خيثمة , حدثنا مصعب بن عبد الله , حدثني إسماعيل بن يعقوب التيمي , قال : كان محمد بن المنكدر يجلس مع أصحابه قال فكان يصيبه صمات فكان يقوم كما هو حتى يضع خده على قبر النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم , ثم يرجع فعوتب في ذلك, فقال : إنه يصيبني خطرة , فإذا وجدت ذلك استغثت بقبر النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم وكان يأتي موضعا من المسجد في السحر يتمرغ فيه ويضطجع , فقيل له : في ذلك فقال إني رأيت رسول اللهصلى الله عليه (وآله) وسلم في هذا الموضع , أراه قال في النوم. المصدر: تاريخ دمشق - الجزء 56 - صفحة 51، و للمزيد راجع أيضاً وفا الوفا للسمهودي - المجلّد الرابع - صفحة 1406 - طبعة دار الكتب العلمية (بيروت) و الطبعة الرابعه دار البارز للنشر و التوزيع (مكة المكرمة) سنة 1404 هـ - 1984م.
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: وقال مصعب بن عبد الله , حدثني إسماعيل بن يعقوب التيمي قال: كان المنكدر يجلس مع أصحابه فكان يصيبه صمات , فكان يقوم كما هو حتى يضع خده على قبر النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم , ثم يرجع فعوتب في ذلك , فقال : إنه يصيبني خطر، فإذا وجدت ذلك استعنت بقبر النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم , وكان يأتي موضعا من المسجد يتمرغ فيه ويضطجع , فقيل له في ذلك , فقال إني رأيت النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم في هذا الموضع. المصدر: سير أعلام النبلاء - الجزء الخامس - صفحة 358 و الصفحة التي تليها.

15) الحافظ أبو علي النيسابوري :
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: وقال الحاكم : سمعت أبا علي النيسابوري يقول : كنت في غم شديد , فرأيت النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم في المنام كأنه يقول لي : صر إلى قبر يحي بن يحي , واستغفر, وسل, تقض حاجتك, فأصبحت ففعلت ذلك , فقضيت حاجتي. المصدر: تهذيب التهذيب - الجزء 11 - صفحة 261 - حديث رقم 479 - طبعة دار الفكر (بيروت).

16) محمد بن إسحاق بن خزيمة وجماعة من مشايخ أهل الحديث:
قال الحاكم في تاريخ نيسابور: وسمعت أبا بكر محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى يقول : خرجنا مع إمام أهل الحديث أبي بكر بن خزيمة , وعديله أبي علي الثقفي , مع جماعة من مشايخنا , وهم إذ ذاك متوافرون إلى زيارة قبر علي بن موسى الرضا عليه السلام بطوس , قال : فرأيت من تعظيمه يعني ابن خزيمة لتلك البقعة وتواضعه لها , وتضرعه عنها ما تحيرنا. تهذيب التهذيب - الجزء 7 - صفحة 339 - حديث رقم 628 - طبعة دار الفكر (بيروت).

17) الحافظ ابن حبان البستي :
قال:علي بن أبي طالب أبو الحسن من سادات أهل البيت وعقلائهم وجلة الهاشميين ونبلائهم.....إلى أن قال : ومات علي بن موسى الرضا عليه السلام بطوس من شربة سقاه إياها المأمون , فمات من ساعته , وذلك يوم السبت آخر يوم سنة ثلاث ومائتين وقبره بسنا باذ , خارج النوقان , مشهور يزار بجنب قبر الرشيد , قد زرته مراراً كثيرة, وما حلت بي شدة في وقت مقامي بطوس فزرت قبر علي بن موسى الرضا صلوات الله على جده وعليه ودعوت الله إزالتها عني إلا أستجيب لي وزالت عني تلك الشدة , وهذا شي جربته مراراً فوجدته كذلك , أماتنا الله على محبة المصطفى وأهل بيته صلى الله عليه (وآله) وسلم وعليهم أجمعين. المصدر: كتاب الثقات - إبن حيان - المجلّد الثامن - صفحة 456 - 457 - طبعة دار الفكر (بيروت) سنة 1395 هـ - 1975م.

18) الحافظ الفقيه ابن عبد البر الأندلسي المالكي:
وقال الحافظ ابن عبد البر أثناء تقريره لبعض الأحاديث التي شرحها في التمهيد: وفيه التبرك بالمواضع التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ووطئها وقام عليها وفي هذا دليل على صحة ما كان القوم عليه من صريح الإيمان. المصدر: التمهيد في شرح الموطأ - المجلّد السادس - صفحة 228 - طبعة وزارة عموم الأوقاف و الشئون الإسلامية - المغرب سنة 1387 هـ.
وقال في شرح حديث آخر في التمهيد أيضا: وفي هذا الحديث دليل على التبرك بمواضع الأنبياء عليهم السلام والصالحين ومقاماتهم ومساكنهم. المصدر: التمهيد في شرح الموطأ - المجلّد الثالث عشر - صفحة 67.
19) القاضي عياض اليحصبي :
قال القاضي عياض في كتابه الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه (وآله) وسلم أثناء الحديث عن تعظيم الرسول الأكرم صلى الله عليه (وآله) وسلم :
ومن إعظامه وإكباره إعظام جميع أسبابه وإكرام مشاهده وأمكنته من مكة والمدينة ومعاهده , وما لمسه صلى الله عليه (وآله) وسلم أو عرف به. المصدر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى - المجلّد الثاني - صفحة 619 - طبعة دار الكتاب العرب (بيروت).
إلى أن قال : وجدير لمواطن عمرت بالوحي والتنزيل , وتردد بها جبريل وميكائيل , وعرجت منها الملائكة والروح , وضجت عرصاتها بالتقديس والتسبيح , واشتملت تربتها على جسد سيد البشر صلى الله عليه (وآله) وسلم , وانتشر عنها من دين الله وسنة رسوله صلى الله عليه (وآله) وسلم ما انتشر , مدارس آيات , ومساجد وصلوات ومشاهد الفضائل والخيرات , ومعاهد البراهين والمعجزات , ومناسك الدين , ومشاعر المسلمين , ومواقف سيد المرسلين صلى الله عليه (وآله) وسلم , ومتبوأ خاتم صلى الله عليه (وآله) وسلم , حيث انفجرت النبوة , وأين فاض عبابها , ومواطن مهبط الرسالة , وأول أرض مس جلد المصطفى صلى الله عليه (وآله) وسلم ترابها , أن تعظم عرصاتها , وتتسنم نفحاتها , وتقبل بوعها وجدرانها :
يا دار خير المرسلين ومن به هدي الأنام وخص بالآيات
عندي لاجلك لوعة وصبابة وتشوق متوقد الجمرات
وعلي عهد إن ملأت محاجري من تلكم الجدران والعرصات
لأعفرن مصون شيبي بينها من كثرة التقبيل والرشفات
لولا العوادي والأعادي زرتها أبداً ولو سحباً على الوجنات
لكن سأهدي من حفيل تحيتي لقطين تلك الدار والحجرات
أزكى من المسك المفتق نفحة تغشاه بالآصال والبركات.
المصدر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى - المجلّد الثاني - صفحة 622، 623، 624 - طبعة دار الكتاب العرب (بيروت).

20)الحافظ عبد الحق الأشبيلي في كتاب العاقبة :
وأعلم أن قبور الصالحين لا تخلو من بركة وأن زائرها والمسلم عليها والقارئ عندها والداعي لمن فيها لا ينقلب إلا بخير ولا يرجع إلا بأجر , وقد يوجد لذلك إمارة ويبدو منها بشارة. المصدر: العاقبة في ذكر الموت لعبد الحق الاشبيلي - صفحة 218 - طبعة مكتبة دار الأقصى (الكويت) سنة 1406 هـ - 1986م.
ويستحب لك رحمك الله أن تقصد بميتك قبور الصالحين ومدافن أهل الخير فتدفنه معهم وتنزله بإزائهم وتسكنه في جوارهم تبركا بهم وتوسلا إلى الله تعالى بقربهم , وأن تجتنب به قبور من سواهم ممكن يخاف التأذي بمجاورته والتألم بمشاهدته. المصدر: طبقات المفسرين للسيوطي - صفحة 79 - طبعة مكتبة وهبة (القاهرة) سنة 1396هـ.

21) الحافظ أبو الفرج بن الجوزي :
صنف ابن الجوزي كتاباً مستقلاً في مناقب معروف الكرخي , وعقد فيه فصلاً قال فيه : الباب السابع والعشرون في ذكر فضيلة زيارة قبره وتجربة إجابة الدعاء عند قبره. المصدر: مناقب معروف الكرخي لابن الجوزي - صفحة 199 - طبعة دار الكتاب العربي ( بيروت).

22) الإمام القرطبي:
قال:أمره صلى الله عليه (وآله) وسلم أن يستقوا من بئر الناقة دليل على التبرك بآثار الأنبياء والصالحين وإن تقادمت أعصارهم وخفيت آثارهم. المصدر: تفسير القرطبي - المجلّد العاشر - صفحة 47
وقال في التذكرة : قال علماؤنا : ويستحب لك – رحمك الله – أن تقصد بميتك قبور الصالحين ومدافن أهل الخير فندفنه معهم وتنزله بإزائهم و تسكنه في جوارهم تبركا بهم وتوسلاً إلى الله عز وجل بقربهم و أن تجتنب به قبور من سواهم ممن يخاف التأذي بمجاورته والتألم بمشاهدة حاله حسب ما جاء في الحديث. المصدر: التذكرة للقرطبي - صفحة 105.
23) محيي الدين النووي :
قال : قوله : فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا منه , قال: ثم استوهبه بعد ذلك عمر بن عبد العزيز فوهبه له, يعني القدح الذي شرب منه رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم هذا, فيه التبرك بآثار النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم , وما مسه أو لبسه أو كان منه فيه سبب وهذا نحو ما أجمعوا عليه, وأطبق السلف والخلف عليه من التبرك بالصلاة في مصلى رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم في الروضة الكريمة ودخول الغار الذي دخله صلى الله عليه (وآله) وسلم وغير ذلك. المصدر: شرح النووي على صحيح مسلم - الجزء 13 - صفحة 178
وقال أيضا أثناء شرح بعض الأحاديث : قال القاضي : ورواه الهروي في مسلم فقال خسروانيه : وفي هذا الحديث دليل على استحباب التبرك بآثار الصالحين وثيابهم. المصدر: شرح النووي على صحيح مسلم - جزء 14 - صفحة 44.
وقال ابن كثير في البداية والنهاية: علي بن نصر الأربلي الفقيه الشافعي أول من درس بأربيل في سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة وكان فاضلاً ديناً انتفع به الناس وكان قد اشتغل على الكيا الهراسي وغيره ببغداد وقدم دمشق فأرخه ابن عساكر في هذه السنة وترجمه ابن خلكان في الوفيات وقال قبره يزار , وقد زرته غير مرة ورأيت الناس ينتابون قبره ويبركون به وهذا الذي قاله ابن خلكان مما ينكره أهل العلم عليه وعلى أمثاله ممن يعظم القبور. المصدر: البداية والنهاية - الجزء 12 - صفحة 287 - حوادث سنة 187

24) الحافظ الذهبي:
قال الذهبي في معجم شيوخه : وقد سئل أحمد بن حنبل عن مس القبر النبوي وتقبيله فلم ير بذلك بأساً , رواه عنه ولده عبد الله بن أحمد.
قال الذهبي بعد ذلك : فإن قيل : فهلا فعل ذلك الصحابة ؟! قيل : لأنهم عاينوه حياً وتملوا به وقبلوا يده وكادوا يقتتلون على وضوئه واقتسموا شعره المطهر يوم الحج الأكبر , وكان اذا تنخم لا تكاد نخامته تقع إلا في يد رجل فيدلك بها وجهه , ونحن فلما لم يصح لنا مثل هذا النصيب الأوفر ترامينا على قبره بالالتزام والتبجيل والاستلام والتقبيل , ألا ترى كيف فعل ثابت البناني , كان يقبل يد أنس بن مالك ويضعها على وجهه ويقول : يد مست يد رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم . وهذه الأمور لا يحركها من المسلم إلا فرط حبه للنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم إذ هو مأمور بأن يحب الله ورسوله أشد من حبه لنفسه وولده والناس أجمعين ، ومن أمواله ومن الجنة وحورها , بل خلق من المؤمنين يحبون أبا بكر وعمر أكثر من حب أنفسهم ، حكا لنا جندار انه كان بجبل البقاع فسمع رجلاً سب أبا بكر فسل سيفه وضرب عنقه ، ولو كان سمعه يسبه أو يسب أباه لما استباح دمه ، ألا ترى الصحابة من فرط حبهم للنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قالوا : ألا نسجد لك ؟ فقال : لا.
فلو أذن لهم لسجدوا له سجود إجلال وتوقير لا سجود عبادة كما قد سجد إخوة يوسف عليه السلام ليوسف ، وكذلك القول في سجود المسلم لقبر النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم على سبيل التعظيم والتبجيل لا يكفر به أصلا بل يكون عاصياً ، فليعرف أن هذا منهي عنه , وكذلك الصلاة إلى القبر. المصدر: معجم شيوخ الذهبي - المجلّد الأول - صفحتي 45,46 - طبعة دار الفكر / بيروت سنة 1418 هـ - 1997م.
وقال في سير أعلام النبلاء : فمن وقف عند الحجرة المقدسة ذليلاً مسلماً مصلياً على نبيه صلى الله عليه (وآله) وسلم فيا طوبى له , فقد أحسن الزيارة وأجمل في التذلل والحب وقد أتى بعبادة زائدة على من صلى عليه في أرضه أو في صلاته , إذ الزائر له أجر الزيارة وأجر الصلاة عليه والمصلي عليه في سائر البلاد له أجر الصلاة فقط , فمن صلى عليه واحدة صلى الله عليه عشراً , ولكن من زاره صلوات الله عليه وأساء أدب الزيارة أو سجد للقبر أو فعل ما لا يشرع فهذا فعلاً حسناً وسيئاً , فيعلم برفق والله غفور رحيم, فوالله ما يحصل الانزعاج لمسلم والصياح وتقبيل الجدران وكثرة البكاء إلا وهو محب لله ورسوله , فحبه المعيار والفارق بين أهل الجنة وأهل النار. المصدر: سير أعلام النبلاء - الجزء الرابع - صفحة 484 - طبعة مؤسسة الرسالة / بيروت سنة 1413 هـ.

25) شمس الدين الجزري :
أبو الخير محمد بن محمد الدمشقي الشافعي , المتوفى سنة ( 833 هـ ) أحد كبار علماء السنة المعروفين , قال فيه السيوطي : الحافظ المقرئ , شيخ الإقراء في زمانه. المصدر: طبقات الحفاظ - صفحة 549 - حديث رقم 1183.
قال الحافظ الملا علي القاري الحنفي في مرقاة المفاتيح أثناء حديثه عن الخطيب التبريزي صاحب كتاب مشكاة المصابيح : قال شيخ مشايخنا , علامة العلماء المتبحرين , شمس الدين محمد الجزري في مقدمة شرحه للمصابيح المسمى بتصحيح المصابيح : إني زرت قبره بنيسابور , وقرأت بعض صحيحه على سبيل التيمن والتبرك عند قبره , ورأيت آثار البركة ورجاء الإجابة في تربته. المصدر:مرقاة المفاتيح - المجلّد الأول - صفحة 17.

26) الحافظ ابن حجر العسقلاني :
وقد تقدم حديث عتبان وسؤاله النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم أن يصلي في بيته ليتخذه مصلى وإجابة النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم إلى ذلك , فهو حجة التبرك بآثار الصالحين والتنبيه على من يظن به الفساد في الدين. المصدر: فتح الباري - المجلّد الأول - صفحة 569 .
وقال أيضا ناقلاً كلام أبي القاسم بن الورد في أصله : والذي يظهر لي أن البخاري لحظ قوله تعالى }اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ (التوبة 80) أي أن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ألبس عبد الله بن أبي قميصه سواء كان يكف عنه العذاب أو لا يكف استصلاحا للقلوب المؤلفة , فكأنه يقول يؤخذ من هذا التبرك بآثار الصالحين. المصدر: فتح الباري - المجلّد الثالث - على صفحتي 138 , 139
وقال أيضا ناقلاً كلام ابن الملقن في شرحه لأحد الأحاديث : وفيه التبرك بآثار الصالحين. المصدر:فتح الباري - المجلّد الثالث - على صفحة 144
وقال أيضاً : ونقل عن ابن أبي الصيف اليماني أحد علماء مكة من الشافعية جواز تقبيل المصحف وأجزاء الحديث وقبور الصالحين وبالله التوفيق. المصدر: فتح الباري - المجلّد الثالث - على صفحة 457



27) الخطيب الشربيني أثناء بحث له في تسوية القبور :

النص طويل لذا إستقطع منه موضع الشاهد... وقد يؤيده ما ذكره الشيخان في الوصايا أنه تجوز الوصية لعمارة قبور الأنبياء والصالحين لما فيه من إحياء الزيارة والتبرك فإن قضيته جواز عمارة قبور الصالحين . المصدر: مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج - المجلّد الأول - صفحة 367 - طبعة الناشر دار الفكر (بيروت)


الأحد، 22 يناير 2012

حقيقة القول بتحريف القرآن ج3

بعد بيان انه ليس ثمة قائل بتحريف اللفظ من خلال الجزئين الاول والثاني .. اعرج على مسألة التكفير لمن يقول بالتحريف 
... فليس القائل بتحريف المعنى كمن قال بتحريف اللفظ وليس كمن قال بتحريف الترتيب في السور ونزولها الخ .. ممن يوصفون بانهم يقولون بالتحريف فتكفير الكل من هؤلاء لاقائل به من المذاهب الاسلامية .. فيحتاج فهم التكفير الى بيان سوف الخصه لك بالاتي ..
 

....   لنناقش الفكرة بشيء من العلمية ، فنبدأ بذكر استدلالات من سار على كفر من قال بتحريف القرآن بلا أي تفريق بين هذه الاقسام بلا عقل ولا رأي منير .. ولا اقصد بذلك جمهور اهل السنة فسوف اعرض في الحديث عن موقف علماء السنة بهذا الخصوص كي تتضح لك الصورة اخي القاريء ..
وبالأثناء نذكر رأي الشيعة في المسألة وبعض الضوابط ، لنرى هل الكفر يصح على مباني الشيعة أيضا أم لا .
ولنعرض عن ذكر استدلالات من كفر الجميع التي تتسم بالأسلوب الخطابي الرتيب وهي للهزل أقرب منها للجد ، ولنعتمد استدلال اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الذي يعتبر عند هؤلاء استدلالا علميا ( هؤلاء يعني الوهابية )، وهي اللجنة التي يرأسها كبير الوهابية ابن باز ، قال :
" ومن قال : إنه غير محفوظ أو دخله شيء من التحريف أو النقص فهو ضال مضل ، يستتاب فإن تاب وإلاّ وجب على وليّ الأمر قتله مرتدا ، لأن قوله يصادم قول الله عز وجل {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر/9). ويصادم إجماع الأمة على حفظه وسلامته " ( 1 ) .
( 1 ) المصدر .. فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ج4ص8فتوى6137 ط رئاسة إدارة البحوث .

فهذه الردة وهدر الدم سببها مصادمة الآية ومصادمة إجماع الأمة ، ونحن إرضاء لخاطر الوهابية وتقوية لاستدلالهم نزيد على الوجهين السابقين وجها آخر للتكفير ونرتب لهم المطلب ، فنقول :
من قال بتحريف القرآن لا يخلو الوجه في تكفيره من أحد ثلاثة أسباب :
1- كذّب صريح القرآن وهو قوله تعالى {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر/9). وقوله تعالى {لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}(فصلت/42).
2- خالف ضروريا من ضروريات الدين .
3- خالف أمرا مجمعا عليه .
فنقول لدعاة التكفير : حبا وكرامة ! ، ولكن على فقه من تريدون التكفير من الشيعة ؟! على فقه أهل البيت عليهم السلام أم على فقه شكيب وشكيبة ؟! ، معلوم عند الجميع أن الشيعة لا يقيمون


وزنا لفقه لم يأتـهم من أهل البيت عليهم السلام الذين أنزل الله فيهم {عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا}(الإنسان/21). {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}(الأحزاب/33) ، ومع ذلك سنمن على الوهابية مرة أخرى بذكر كلمات علماء أهل السنة في أثناء البحث المؤيدة لما ذهب له علماء الشيعة .

* مناقشة أسباب التكفير :
السبب الأول : القول بتحريف القرآن يلزم منه تكذيب الله عز وجل فيما أخبر به في كتابه .
ويرد عليه أن المخالفة لكتاب الله عز وجل شيء ، والتكذيب والجحد له شيء آخر ، فالتكذيب بمعنى أن يعلم المكلف بما أخبر الله عز وجل به ولكنه لا يصدقه ولا يقتنع به ، فهذا كفر ، وأما لو أخطأ في فهم ما أخبر به الله عز وجل وصار إلى غيره مع كونه يرجو موافقة كلام الله عز وجل ، فهذا خالف كتاب الله عز وجل لجهله وهذا لا يكفر ، والإخبارية  هم من هذا القسم بالنسبة للآيتين ، وهذا لأمرين :

1- عدم حجية الظاهر عندهم .
مر سابقا أن الإخبارية يقولون بعدم حجية ظواهر القرآن لأن القرآن لا يفهمه إلا من خوطب به وهم الرسول وآل بيته صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .
لذا فإن مراد الله عز وجل من الآيتين الكريمتين غير معلوم عندهم ، فلا يصح اتـهامهم بجحد وتكذيب ما أخبر به الله عز وجل ، وهذا يجري على كثير من علماء الإسلام الذين أخطأوا في فهم آية أو حكم من آية ، نحو من يقول بعدم جواز رؤية الله عز وجل يوم القيامة مع ما يخبر به الظاهر الساذج لهذه الآية {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}(القيامة/23-24)
وكذا شبيه قول من يدعي تحقق رؤية المؤمنين له يوم القيمة سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا مع أن الله عز وجل يخبر في المحكم من كتابه أنه لا تدركه الأبصار ، قال تعالى {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير}(الأنعام/103). ويقول {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}(الشورى/11) ، وباتفاق أهل القبلة لا يكفر كلا الطرفين مع أن أحدهما خالف ما أخبر الله به جزما .

2- قالوا بعدم دلالة ظاهر الآيتين على المطلوب .
فالآية الأولى غاية ما تدل عليه أن الله عز وجل تكفل بحفظ القرآن ولكنها ساكتة عن حفظه عند جميع الناس فلعل الله عز وجل لم يقصد بالحفظ حفظه عند كل المسلمين بل أراد حفظه عن سيد المسلمين وإمامهم ، فمن أين استفدنا حفظه عند كل المسلمين من الآية !
والآية الأخرى تدل على منع استعلاء شيء عليه ولا يطرأ طارئ يظهر عليه فيبطل مضمونه ومحتواه من العلوم والمعارف سواء مما سبقه كالتوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الكتب السابقة أو مما يأتي به الناس من علوم ، وليس المقصود أن الباطل في الآية بمعنى حذف الكلمات ونقصها ، ويمكن تقريب هذه الدلالة بلحاظ مرجع الضمير (لا يأتيه الباطل) إذ لا يمكن أن يكون مرجعه إلى هذا المصحف لأنـها نزلت والمصحف لم يفرغ من جمعه بعد ، فلا ريب أن المقصود به –بزعمهم- القرآن في الكتاب المكنون ، فأي تحريف يقع هناك ؟!
لذا الآيتان في نظرهم لا تدلان على المدعى .

السبب الثاني : خالف ما هو معلوم من الدين بالضرورة .
حتى يتضح الحق في هذه الدعوى يجب تقديم مقدمتين :

حتى يتضح الحق في هذه الدعوى يجب تقديم مقدمتين :
المقدمة الأولى : ما هو ضابط كون الشيء معلوما من الدين بالضرورة ؟
المعلوم من الدين بالضرورة هو ما لا يحتاج انتسابه للدين إلى دليل ولا يشك فيه أحد من المسلمين ، فيكون انتسابه للدين بديهيا بين الناس ، كوجوب الحج أو الصلاة في الإسلام ( 1 ) ، لذا ما يتوقف إثباته على الدليل لا يكون ضروريا ومعلوما بالبديهة.

المقدمة الثانية : هل يكفر المسلم بمجرد إنكاره للضروري أم بقيد وشرط ؟
لو أنكر مسلم أمرا معلوما من الدين بالضرورة ، فإن آل إنكاره إلى إنكار الألوهية أو الرسالة فإنه يكفر بلا ريب ، وأما لو لم يرجع إنكاره لإنكار الألوهية والربوبية أو الرسالة كمن طرأت له شبهة أو حصل له لبس أدى بالمنكر إلى تلك النتيجة فإنه لا يكفر .
مثلا لو أنكر مسلم استحباب الصدقة لشبهة طرأت له ولبعض الأدلة ففي هذه الحالة يكون قد أنكر معلوما من الدين بالضرورة ولكن هذا الإنكار لا يستوجب الارتداد والمروق عن الملة ، نعم من قال إن الصدقة غير مستحبة مع إقراره أن الرسول صلى عليه وآله وسلم قال باستحبابـها نقلا عن الله
( 1 ) لاحظ أنا نتكلم عن ضروريات الدين كالاستحباب الصدقة وصيام شهر رمضان وحرمة شرب الخمر ، لا عن أصوله فمن أنكر الألوهية أو التوحيد أو الرسالة أو المعاد يكفر بلا قيد أو شرط .

عز وجل فهذا يكفر لتعنته على أمر الله عز وجل وإنكاره للربوبية ، أما لو أقر بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم جاء به وأنكر كونه جاء به من عند الله عز وجل فهذا يكفر لأنه أنكر ضروريا يؤول إلى إنكار الرسالة ، وأما الحالة الأولى وهي إنكاره أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قال باستحباب الصدقة ونص على استحبابـها لشبهة معينة أو طرو لبس في مقدمات استدلاله في حال كونه مصدقا ومتبعا لأقوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم حال ثبوتـها عنه فإن هذا لا يكفر ولا يرتد .

قال السيد اليزدي رضوان الله تعالى عليه :" والمراد بالكافر من كان منكرا للألوهية أو التوحيد أو الرسالة أو ضروريا من ضروريات الدين مع الالتفات إلى كونه ضروريا بحيث يرجع إنكاره إلى إنكار الرسالة " ( 1 ) .

قال السيد الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه :" الكافر وهو من انتحل غير الإسلام ، أو انتحله وجحد ما يعلم من الدين بالضرورة ، بحيث يرجع جحوده إلى إنكار الرسالة ، أو تكذيب النبي صلى الله عليه وآله ، أو تنقيص شريعته المطهرة ، أو صدر منه ما يقتضي كفره من قول أو فعل " ( 2 ) .

قال السيد الخوئي رضوان الله تعالى عليه : " الكافر وهو من لم ينتحل ديناً أو انتحل ديناً غير الإسلام أو انتحل الإسلام وجحد ما يعلم أنه من الدين الإسلامي بحيث رجع جحده إلى إنكار الرسالة ، نعم ، إنكار المعاد يوجب الكفر مطلقاً " ( 3 ) .

قال الشيخ الآراكي رضوان الله تعالى عليه : " الكافر -أي من أنكر الله أو جعل لله شريكا ، أو لم يعترف بنبوة خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم - نجس . والأحوط وجوبا الاجتناب عن كل منكر لضرورة من ضروريات الدين مثل الصلاة والصوم مما يعتبره المسلمون من أجزاء دين الإسلام إن علم أن ذلك من ضروريات الدين ورجع إنكاره إلى إنكار النبوة " ( 4 ) .
( 1 ) العروة الوثقى ج1ص67 ط دار الإرشاد.
( 2 ) تحرير الوسيلة ج1ص118 ط اسماعيليان . ( 3 ) منهاج الصالحين ج1ص109 .
( 4 ) المسائل الواضحة ج1ص22 ط مكتب الإعلام الإسلامي .

قال السيد عبد الأعلى السبزواري رضوان الله تعالى عليه : " الكافر وهو من انتحل ديناً غير الإسلام وجحد ما يعلم أنه من الدين الإسلامي بحيث رجع إلى إنكار الرسالة أو إنكار المعاد " ( 1 ).

قال السيد محمد الروحاني رضوان الله تعالى عليه : " الكافر وهو من لم ينتحل ديناً أو انتحل ديناً غير الإسلام أو انتحل الإسلام وجحد ما يعلم أنه من الدين الإسلامي ، نعم ، إنكار المعاد يوجب الكفر مطلقاً " ( 2 ) .

قال السيد السيستاني حفظه الله تعالى : "الكافر هو من لم ينتحل دينا ، أو انتحل دينا غير الإسلام ، أو انتحل الإسلام وجحد ما يعلم أنه من الدين الإسلامي بحيث رجع جحده إلى إنكار الرسالة ولو في الجملة بأن يرجع إلى تكذيب النبي صلى الله عليه وآله في بعض ما بلغه عن الله تعالى في العقائد -كالمعاد- أو في غيرها كالأحكام الفرعية ، وأما إذا لم يرجع جحده إلى ذلك بأن كان ذلك بسبب بعده عن محيط المسلمين وجهله بأحكام هذا الدين فلا يحكم بكفره ، وأما الفرق الضالة المنتحلة للإسلام فتختلف الحال فيهم " ( 3 ) .

قال الشيخ الوحيد الخراساني حفظه الله تعالى : " والكافر وهو المنكر لله أو رسالة خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم أو المعاد أو الشاك في الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم أو المشرك بالله أو الشاك في وحدانيته ، نجسٌ ، وكذلك الغلاة – أي القائلين بألوهية أحد الأئمة عليهم السلام أو القائلين بحلول الله تعالى في أحدهم عليهم السلام – والنواصب – وهم أعداء أحد الأئمة عليهم السلام أو أعداء فاطمة الزهراء سلام الله عليها- ، والمنكر لإحدى ضروريات الدين –كالصلاة والصيام- مع علمه بأنـها من ضروريات الدين " ( 4 ) .

قال الميرزا جواد التبريزي حفظه الله تعالى : " الكافر ، والمشهور بين الفقهاء نجاسته مطلقا ، وإن كان من أهل الكتاب ، وهو الأحوط الأولى والأظهر أن الناصب في حكم الكافر وإن كان مظهرا
( 1 ) منهاج الصالحين ج1ص98 ،ط دار الكتاب الإسلامي .
( 2 ) منهاج الصالحين ج1ص27 ط دار الزهراء .
( 3 ) منهاج الصالحين ج1ص139 ط مكتب سماحة السيد في قم المقدسة .
( 4 ) توضيح المسائل ص191 م107 ، الفارسية .

للشهادتين والاعتقاد بالمعاد ، ومن أنكر شيئا من ضروريات الدين ولم تحتمل فيه الشبهة يحكم بكفره ، وكذا من علم إنكاره من فعله كمن استهزأ بالقرآن ، أو أحرقه –والعياذ بالله- متعمدا " ( 1 ) .

قال السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم حفظه الله تعالى :" إنكار الضروري من الدين إن رجع إلى عدم الإقرار به بعد العلم بإنزاله من قِبل الله تعالى ، أو إلى تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تبليغه به بعد العلم بتبليغه له كان موجبا للكفر ، وإن رجع إلى عدم العلم بثبوته في الدين أو بتبليغ النبي صلى الله عليه وآله له ، لم يوجب الكفر كما إذا نشأ من الجهل بتحريمه أو من شبهة اعتقد معها عدم التحريم " ( 2 ) .


وعلى هذا فلو لم يعلم المنكر أن ما أنكره جزء من الدين بل نفي كونه منه لشبهة ولبس ، مع إيمانه في قرارة نفسه أنْ لو ثبت عنده مجيء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما أنكره لاتبعه ولأخذ به بكل انقياد وتسليم فإن إنكاره – في هذه الحالة - لا يؤول إلى إنكار الألوهية أو الرسالة أو تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم والعياذ بالله ، فلا يحكم بكفره ، وبعبارة مختصرة إن منكر الضروري لا يكفر إلا برجوع إنكاره إلى إنكار الألوهية أو الرسالة أو تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وبعد ما قدمنا يتضح أن دعوى تكفير من قال بتحريف القرآن لإنكاره ضروريا كلام ساقط من رأس وجرأة على الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، لأمرين :
1- لم يثبت أن من ضروريات الدين الاعتقاد باحتواء مصحفنا لكل كلمات القرآن التي نزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
فلو سئل أهل الإسلام في بقاع الأرض عما إذا كان هذا المصحف الذي في بيوتنا اليوم قد اشتمل على كل كلمة وحرف نزل من السماء قبل أكثر من أربعة عشر قرنا ولم تخف كلمة أو حرف عمن جمعه أو لم يتلاعب به أحد من بعدهم ، فلا يعد الجواب على هذا السؤال بديهيا لا يشك فيه ، وليس هو كبداهة سؤال المسلم لأخيه عما إذا كانت الصلاة واجبة في الإسلام ، ولذا عندما يتطرق علماء الشيعة وأهل السنة لإثبات صيانة القرآن من التحريف يعتمدون الدليل لإثبات مدعاهم كآية الحفظ {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر/9) ، فاستدلالهم هذا على عدم وقوع التحريف في القرآن يناقض كونه من بديهيات الدين التي لا يحتاج لإقامة الدليل .
( 1 ) المسائل المنتخبة ص66، ط الفقيه . ( 2 ) منهاج الصالحين ج1ص127م400 ط دار الصفوة .

قال في الفقه المقارن : " والقول بعدم التحريف لم يثبت أنه دين بالضرورة وإلاّ لما احتاج إلى الاستدلال عليه بآية {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر/9) وما يحتاج إلى الاستدلال لا يكون من الضروريات " ( 1 ) .

2- من قال بتحريف القرآن فإن قوله لا يؤول إلى إنكار الألوهية أو الرسالة أو تكذيب النبي صلى الله عليه وآله سلم.
فقد مر سابقا أن من قال بالتحريف لا يرى أن الله عز وجل تكفل بحفظ القرآن في مصاحف المسلمين ، لأن الآيتين في نظره لا تدلان عليه فضلا عن قبوله لحجية ظاهريهما ، ولا يرى أن النبي صلى الله عليه وآله سلم قد أخبر بحفظ القرآن في مصاحف المسلمين بل على العكس هو يرى أن الرسول وأهل بيته صلى الله عليهم أجمعين صرحوا بأن التحريف وقع فيه وأنه بُدل وتلاعبوا به .
ويتضح على هذا أن تفسيرهم لظاهر الآيتين الكريمين ومحاولتهم تفادي معارضة الآيتين لما صاروا إليه من القول بالتحريف وكذا تأويلهم وإيجادهم المخارج لحديث الثقلين ولروايات عرض الحديث على القرآن ، كل هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن هؤلاء القوم متبعون لأمر الله ونـهيه ، يتجنبون معارضة قوله ، وكذا مقتفون لسنة رسوله وما أخبر به صلى الله عليه وآله وسلم لذا ذكروا الوجوه لحديث الثقلين وأحاديث العرض حتى لا يتورطوا في معارضة كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنكارهم لصيانة القرآن من التحريف – لو سلمنا جدلا أنه من الضروريات - لا يؤول إلى إنكار الألوهية أو إنكار الرسالة كالتعنت على أمر المولى أو أمر رسوله صلى الله عليه وآله سلم ولا يؤول إلى تكذيب النبي صلى الله عليه وآله سلم ، وكل هذا مانع من التكفير جزما وقطعا ، مع التسليم بأن هذا الأمر من ضروريات الدين .
السبب الثالث : خالف ما هو مجمع عليه .
* ملاحظة : قبل مناقشة هذا سبب التكفير هذا ، يلزم التنبيه على نقطة وهي أن بعض أهل السنة يستدل بالإجماع على صيانة القرآن من التحريف وهذا استدلال فاسد لأنه استدلال دوري ، فحجية الإجماع عند أهل السنة ترجع إلى ما رووه أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال : لا تجتمع أمتي على ضلالة. وهذا
( 1 ) الأصول العامة للفقه المقارن ص 109 للسيد محمد تقي الحكيم رحمه الله ط . دار الأندلس .


لكلام حجيته نابعة من صدوره عن شخص مرسل من قِبل الله عز وجل ، والدليل على رسالته هو إعجاز القرآن ، وإعجازه لا يعتمد عليه إلا بعد الفراغ من أن القرآن سليم من الدس والنقصان لأن كل آية نضع يدنا عليها نحتمل أن بعض كلماتـها سقطت أو دست في الآية ، لذا أصبح عدم تحريف القرآن معتمد على الإجماع ، والإجماع معتمد على رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والرسالة معتمدة على إعجاز القرآن ، وإعجازه معتمد على سلامته من التحريف ! فسلامة القرآن من التحريف تعتمد على سلامته من التحريف ، لذا لا يصح استدلال أهل السنة بالإجماع –إن تم - على سلامة القرآن من التحريف .

أما كون سلامة القرآن من التحريف أمرا مجمعا عليه لذا يكفر من خالفه ، فهذا السبب للتكفير أسخف من سابقيه ، لأمور :
1- هذه الدعوى فيها إلزام للشيعة بتكفير بعض علمائهم لأن عدم التحريف أمر مجمع عليه عند أهل السنة !!
2- دعوى الإجماع على صيانة القرآن من التحريف لم تتحقق عند أهل السنة فضلا عن الشيعة ، وسيأتي ذكر كلمات من قال من علماء أهل السنة بتحريف القرآن .
3- الإجماع ليس دليلا عند الشيعة في قبال الأدلة الأخرى وإنما هو مجرد كاشف عن الدليل ، فلا تكون معارضته معارضة للدليل الشرعي بل معارضة للطريق ، لذا المنكر قد ينكر كاشفية الطريق لا ما يكشف عنه .

ولنذكر هنا كلمات علماء أهل السنة الناصة على أن منكر المجمع عليه لا يكفر إلا في حال علمه أن ما أنكره قد صدر من الشارع لمآله إلى إنكار الرسالة ، وهو عين ما يدعيه علماء الشيعة ، فقد يتحقق الإجماع على شيء ولكن المنكر لا يثق بالصدور من إجماعهم لأدلة أخرى أو لشبهة طرأت له ، فلا يكفر لاشتباهه ، وعليه جمهور علماء الإسلام ، ومع ذلك تريد الوهابية أن تتبع الشيعة أمزجتهم

بعد هذا البيان قد عرفت ان الشيعة يكفرون من يرى التحريف ولكن بشروط وظوابط اعلاه .. فلا يمكن ان نكفر المسلمين على الظن كما يفعل اتباع التيار اللا اسلامي المتشدد الذي شوه صورة الاسلام في العالم بتحليه دم الكافر الكتابي وغيره المحارب وغيره والمسلم وغيره والسني وغيره ..

كلمات علماء أهل السنة في أن خارق الإجماع لا يكفر

وقال إمام الحرمين الجويني في البرهان في أصول الفقه : " فشا في لسان الفقهاء أن خارق الإجماع يكفر وهذا باطل قطعا فإن من ينكر أصل الإجماع لا يكفر والقول في التكفير والتبرؤ ليس بالـهين
ولنا فيه مجموع فليتأمله طالبه ، نعم من اعترف بالإجماع وأقر بصدق المجمعين في النقل ثم أنكر ما أجمعوا عليه كان هذا التكذيب آيلا إلى الشارع عليه السلام ومن كذب الشارع كفر والقول الضابط فيه أن من أنكر طريقا في ثبوت الشرع لم يكفر ومن اعترف بكون الشيء من الشرع ثم أنكره كان منكرا للشرع وإنكار جزئه كإنكار كله ( 1 ) " ( 2 ) .

وقال للحلبي الحنفي في التقرير : " ولـهذا قال الشيخ صفي الدين الهندي في النهاية جاحد الحكم المجمع عليه من حيث إنه مجمع عليه بإجماع قطعي لا يكفر عند الجماهير خلافا لبعض الفقهاء وإنما قيدنا بالإجماع القطعي لأن جاحد حكم الإجماع الظني لا يكفر وفاقا " ( 3 ) .
وقال أيضا : " غير أن إنكار القطعي إنما يكفر منكره إذا كان ذلك القطعي ضرورياً من ضروريات الدين كما هو قول غير واحد (ومن لم يشرطه) أي الضروري في القطعي المكفر بإنكاره كالحنفية إنما يكفر منكره إذا لم يثبت فيه شبهة قوية . (فلذا) أي اشتراط انتفاء الشبهة في القطعي المنكر ثبوتاً وانتفاء (لم يتكافروا) أي لم يكفر أحد من المخالفين الآخر في التسمية لوجود الشبهة لتقويه في كل طرف لقوة دليله فإنه عذر واضح في عدم التكفير لأنه يدل على أنه غير مكابر للحق ولا قاصد إنكار ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وأن ذلك أخرجه من حد الوضوح إلى حد الإشكال " ( 4 ) .

قال العلامة الزركشي في المنثور : " أطلق كثير من أئمتنا القول بتكفير جاحد المجمع عليه ، قال النووي : وليس على إطلاقه بل من جحد مجمعا عليه فيه نص وهو من أمور الإسلام الظاهرة التي يشترك في معرفتها الخواص والعوام كالصلاة والزكاة ونحوه فهو كافر ومن جحد مجمعا عليه لا يعرفه إلا الخواص كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب وغيره من الحوادث المجمع عليها فليس بكافر ( 5 ) ، قال ومن جحد مجمعا عليه ظاهرا لا نص فيه ففي الحكم بتكفيره خلاف ونقل الرافعي
( 1 ) وهو عين ما قاله فقهاء الشيعة سابقا ، لأن كل ما يؤول إلى تكذيب الشرع والنبي صلى الله عليه وآله وسلم هو من الكفر ، وواضح أن من قال بوقوع تحريف في القرآن لا يرى أن عدم التحريف جاء الشرع به ، بل العكس ! يدعي أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد أخبر بوقوع التحريف في هذه الأمة كما حدث في الأمم السابقة بما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم : ( لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر …).
( 2 ) البرهان في أصول الفقه للجويني ج1ص462مسألة673.
( 3 ) التقرير والتحبير ج3ص151-152.
( 4 ) ن.م ج2ص286 .
( 5 ) لاحظ تعليق الحكم بالكفر على ثبوت علم المنكر بأن ما أنكره من ضروريات الإسلام .

في باب حد الخمر عن الإمام أنه لم يستحسن إطلاق القول بتكفير مستحل الإجماع وقال : كيف نكفر من خالف الإجماع ونحن لا نكفر من رد أصل الإجماع وإنما نبدعه ونضلله وأول ما ذكره الأصحاب على ما إذا صدق المجمعين على إن التحريم ثابت في الشرع ثم حلله فانه يكون ردا للشرع ".
" وقال ابن دقيق العيد أطلق بعضهم أن مخالف الإجماع يكفر ، والحق أن المسائل الإجماعية تارة يصحبها التواتر عن صاحب الشرع كوجوب الخمس وقد لا يصحبها فالأول يكفر جاحده لمخالفته التواتر لا لمخالفته الإجماع " ( 1 ) .
وذكر قول أبي حامد الغزالي : " وقد وقع التكفير لطوائف من المسلمين يكفر بعضها بعضا فالأشعري يكفر المعتزلي زاعما أنه كذب الرسول في رؤية الله تعالى وفي إثبات العلم والقدرة والصفات وفي القول بخلق القران والمعتزلي يكفر الأشعري زاعما أنه كذب الرسول في التوحيد فان إثبات الصفات يستلزم تعدد القدماء ، قال : والسبب في هذه الورطة الجهل بموقع التكذيب والتصديق ووجهه أن كل من نزل قولا من أقوال الشرع على شيء من الدرجات العقلية التي لا تحقق نقضا فهو من التعبد وإنما الكذب أن ننفي جميع هذه المعاني ويزعم أن ما قاله لا معنى له وإنما هو كذب محض وذلك هو الكفر المحض ولـهذا لا يكفر المبتدع المتأول ما دام ملازما لقانون التأويل لقيام البرهان عنده على استحالة الظواهر ( 2 ) " ( 3 ) .
وقال الزركشي في موضع آخر : " وعلى هذا فلا يسوغ لكل فريق تكفير خصمه بمجرد ظنه أنه غالط في البرهان نعم يجوز أن نسميه ضالا لأنه ضل عن الطريق أو مبتدعا لأنه ابتدع أقوالا لم يقلها السلف " ( 4 ) .
وثم ذكر قول الإمام القشيري ": وعبر بعض الأصوليين عن هذا بما معناه أن من أنكر طريق إثبات الشرع لم يكفر كمن أنكر الإجماع ومن أنكر الشرع بعد الاعتراف بطريقة كفر لأنه مكذب " ( 5 ) .
وقال ابن تيمية في المسودة :" مسألة من خالف حكما مجمعا عليه فهل يكفر بذلك قال ابن حامد وغيره انه يكفر ومرد ذلك أن يكفر من جوز كون الإجماع يقع خطأه ، وذكر كثير من( 1 ) فمخالفة المجمع عليه لا كفر فيها وإنما الكفر يلحق من قَطع بصدور الأمر المجمع عليه ، وهذا عين ما يدعيه الشيعة .
( 2 ) وهذا الضابط ينطبق على من يرى أن الآية الكريمة {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر/9) لا تدل على حفظ القرآن عند جميع الناس بل يكفي لتحقق مدلول الآية حفظ القرآن عند إمام الناس .
( 3 ) المنثور في القواعد لأبي عبد الله الزركشي ج3ص86-87.
( 4 ) ن.م ج3ص90.
( 5 ) ن.م ج3ص92 ، وهذا هو الضابط الذي ذكره الشيعة سابقا .

الطوائف من أصحابنا وغيرهم منهم القاضي في ضمن مسألة انعقاد الإجماع عن قياس : أنه يضلل ويفسق وهو مقتضى قول كل من قال إن الإجماع حجة قاطعة وهم جماهير الخلائق وقال بعض المتكلمين أنه حجة ظنية فعلى هذا لا يكفر ولا يفسق " ( 1 ) .

وننقل كلام شيخ الوهابية ابن تيمية بتمامه لعله يجد مكانا في قلوب أذنابه : " كلما رأوهم قالوا : من قال كذا فهو كافر . اعتقد المستمع–كالوهابية- أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله ، ولم يتدبروا إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين وان تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع ، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بـهذا الكلام بعينه ( 2 )
فإن الإمام أحمد مثلا قد باشر الجهمية الذين دعوه إلى خلق القرآن ونفي الصفات وامتحنوه وسائر علماء وقته وفتنوا المؤمنين والمؤمنات الذين لم يوافقوهم على التجهم بالضرب والحبس والقتل والعزل عن الولايات وقطع الأرزاق ورد الشهادة وترك تخليصهم من أيدي العدو بحيث كان كثير من أولي الأمر إذ ذاك من الجهمية من الولاة والقضاة وغيرهم يكفرون كل من لم يكن جهميا موافقا لهم على نفي الصفات مثل القول بخلق القرآن ويحكمون فيه بحكمهم في الكافر ، فلا يولونه ولاية ، ولا يفكونه من عدو ، ولا يعطونه شيئا من بيت المال ، ولا يقبلون له شهادة ، ولا فتيا ولا رواية ، ويمتحنون الناس عند الولاية والشهادة والافتكاك من الأسر وغير ذلك ، فمن أقر بخلق القرآن حكموا له بالإيمان ومن لم يقر به لم يحكموا له بحكم أهل الإيمان ، ومن كان داعيا إلى غير التجهم قتلوه أو ضربوه وحبسوه ، ومعلوم إن هذا من أغلظ التجهم فإن الدعاء إلى المقالة أعظم من قولها ، وإثابة قائلها وعقوبة تاركها أعظم من مجرد الدعاء إليها والعقوبة بالقتل لقائلها أعظم من العقوبة بالضرب ، ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه واستغفر لهم وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع ، وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنـهم لم يكفروا المعينين من الجهمية الذين كانوا يقولون القرآن مخلوق وان الله لا يرى في الآخرة " ( 3 )
( 1 ) المسودة لعبد السلام وعبد الحليم وأحمد بن تيمية ج1ص308.
( 2 ) ولكن الوهابية يقولون للشيعة : كفروا فلانا ! ، نعم نكفرهم على دين الوهابية أما على دين الله عز وجل فلا .
( 3 ) وقال أيضا ج12ص498: ( والأصل الثاني إن التكفير العام كالوعيد العام يجب القول بإطلاقه وعمومه وأما الحكم على المعين بأنه كافر أو مشهود له بالنار فهذا يقف على الدليل المعين فإن الحكم يقف على ثبوت شروطه وانتفاء موانعه )
أقول : الوهابية علاوة على مخالفتهم لأئمتهم في تعميم الكفر على المشتبه الذي لم يقم عنده دليل على شرعية ما أنكره فقد تجاوز أمرهم واستفحل حتى كفروا المعين من العلماء ، بل كفروا بعض علماء أهل السنة بأسمائهم كأحد المشهورين في زماننا فقط لأنه طعن في نتائج انتخابات الرؤساء التي تصل إلى 99.9% ، فقال : لو انتخب الله عز وجل بعظمته رئيسا لأهل الأرض لـما وافق أهلها عليه بـهذه النتيجة ، فأطلق أحد مشايخ الوهابية حكمه فقال : إن لم يرجع فهو كافر

" والدليل على هذا الأصل الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار أما الكتاب فقوله سبحانه وتعالى {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ}(الأحزاب/5). وقوله {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}(البقرة/286).
وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي أن الله تعالى قال : قد فعلت لما دعا النبي والمؤمنون بـهذا الدعاء
وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس أن النبي قال : أعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش ، وأنه لم يقرأ بحرف منها إلا أعطيه .
وإذا ثبت بالكتاب المفسر بالسنة أن الله قد غفر لهذه الأمة الخطأ والنسيان ، فهذا عام عموما محفوظا ، وليس في الدلالة الشرعية ما يوجب أن الله يعذب من هذه الأمة مخطئا على خطئه ، وان عذب المخطئ من غير هذه الأمة ، وأيضا قد ثبت في الصحيح من حديث أبى هريرة أن رسول الله قال : إن رجلا لم يعمل خيرا قط ، فقال لأهله : إذا مات فأحرقوه ثم أذرووا نصفه في البر ونصفه في البحر ، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين فلما مات الرجل فعلوا به كما أمرهم ، فأمر الله البر فجمع ما فيه ، وأمر البحر فجمع ما فيه فإذا هو قائم بين يديه ، ثم قال :لم فعلت هذا ؟ قال : من خشيتك يا رب ، وأنت أعلم . فغفر الله له.
وهذا الحديث متواتر عن النبي ، رواه أصحاب الحديث والأسانيد من حديث أبي سعيد وحذيفة وعقبة بن عمرو وغيرهم عن النبي من وجوه متعددة يعلم أهل الحديث أنـها تفيدهم العلم اليقيني وإن لم يحصل ذلك لغيرهم ممن لم يشركهم في أسباب العلم ، فهذا الرجل كان قد وقع له الشك والجهل في قدرة الله تعالى على إعادة ابن آدم بعد ما أحرق وذرى ، وعلى أنه يعيد الميت ويحشره إذا فعل به ذلك ، وهذان أصلان عظيمان ، أحدهما متعلق بالله تعالى وهو الإيمان بأنه على كل شيء قدير ، والثاني متعلق باليوم الآخر وهو الإيمان بأن الله يعيد هذا الميت ويجزيه على أعماله ، ومع هذا فلما كان مؤمنا بالله في الجملة ومؤمنا باليوم الآخر في الجملة ، وهو أن الله يثيب ويعاقب بعد الموت وقد عمل عملا صالحا ، وهو خوفه من الله أن يعاقبه على ذنوبه غفر الله له بما كان منه من الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح " ( 1 ) .
ومن كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه : " ومنهم من قال : المسائل الأصولية هي ما كان عليها دليل قطعي والفرعية ما ليس عليها دليل قطعي . قال أولئك : وهذا الفرق خطأ أيضا فان كثيرا من المسائل العملية عليها أدلة قطعية عند من عرفها وغيرهم لم يعرفها وفيها ما هو قطعي بالإجماع
( 1 ) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في التفسير ج12ص487-493.

كتحريم المحرمات ووجوب الواجبات الظاهرة ، ثم لو أنكرها الرجل بجهل وتأويل لم يكفر حتى تقام عليه الحجة ، كما أن جماعة استحلوا شرب الخمر على عهد عمر منهم قدامة ورأوا أنـها حلال لهم ولم تكفرهم الصحابة حتى بينوا لهم خطأهم فتابوا ورجعوا ، وقد كان على عهد النبي طائفة أكلوا بعد طلوع الفجر حتى تبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولم يؤثمهم النبي صلى الله عليه وسلم فضلا عن تكفيرهم وخطؤهم قطعي ، وكذلك أسامة بن زيد قد قتل الرجل المسلم وكان خطؤه قطعيا ، وكذلك الذين وجدوا رجلا في غنم له ، فقال : إني مسلم ! فقتلوه ، وأخذوا ماله كان خطؤهم قطعيا ، وكذلك خالد بن الوليد قتل بني جذيمة وأخذ أموالهم كان مخطئا قطعا ، وكذلك الذين تيمموا إلى الآباط وعمار الذي تمعك فى التراب للجنابة كما تمعك الدابة ، بل والذين أصابتهم جنابة فلم يتيمموا ولم يصلوا كانوا مخطئين قطعا ".
" وأهل السنة لا يبتدعون قولا ولا يكفرون من اجتهد فاخطأ وإن كان مخالفا لهم مستحلا لدمائهم ، كما لم تكفر الصحابة الخوارج مع تكفيرهم لعثمان وعلي ومن والاهما واستحلالـهم لدماء المسلمين المخالفين لهم ".
وقال ابن تيمية أيضا : " وهذا من أقوال القدرية والمعتزلة وغيرهم التي خالفوا بـها الكتاب والسنة وإجماع السلف والعقل الصريح كما بسط في موضعه " ( 1 ) ، أقول : ومع ذلك لم يكفر ابن تيمية المعتزلة .
كلمات علماء أهل السنة في عدم كفر من أنكر سور وآيات القرآن باجتهاد منه .

مرت كلمات علماء السنة في عدم تكفير من قال قولا اشتبه فيه ولو كان قوله كفرا في نفسه ، وهنا نذكر كلمات علماء السنة في عدم تكفير من اجتهد فأنكر آيات من القرآن أو ادعى نقصانه مشتبها :
وقال العلامة ابن نجيم الحنفي في البحر الرائق : " أنـها – البسملة - من الفاتحة ومن كل سورة ونسب إلى الشافعي ووجه الأصح إجماعهم على كتابتها مع الأمر بتجريد المصحف وقد تواترت فيه وهو دليل تواتر كونـها قرآنا وبه اندفعت الشبهة للاختلاف وإنما لم يحكم بكفر منكرها لأن إنكار القطعي لا يوجب الكفر إلا إذا لم يثبت فيه شبهة قوية فإن ثبتت فلا كما في البسملة " ( 2 ) .
( 2 ) البحر الرائق ج1ص330-331.

وقال أيضا : " ويكفر إذا أنكر آية من القرآن أو سخر بآية منه إلا المعوذتين ففي إنكارهما اختلاف والصحيح كفره ، وقيل لا ، وقيل إن كان عاميا يكفر وإن كان عالما لا " ( 1 ) .
وكلامه واضح في وجود اختلاف بين الفقهاء في كفر من أنكر قرآنية هاتين السورتين ، وواضح أن سبب قول بعض فقهائهم أن العالم لا يكفر إن أنكرهما بخلاف العامي ، لأن العالم يطلع على الروايات التي وردت في المعوذتين وموقف ابن مسعود من إنكارهما فتنشأ عنده شبهة في كونـهما من القرآن أم لا ، لذلك لا يكفر ، بخلاف العامي الذي لا مكان للاشتباه عنده ، وهذه هي القاعدة التي يقولها الشيعة .

وكذا نقل لنا الإمام البروسوي قول الإمام ابن عوض الحنفي وغيره من العلماء في عدم تكفير من أنكر المعوذتين لنفس السبب الذي ذكرناه سابقا وهو حصول الشبهة لدى المنكر سببها إنكار ابن مسعود لهما ، قال :
" وفي نصاب الاحتساب ( 2 ) : لو أنكر آية من القرآن سوى المعوذتين يكفر ، انتهى " ( 3 ) .
" وفي الأكمل عن سفيان بن سختان قال : من قال إن المعوذتين ليستا من القرآن لم يكفر لتأويل ابن مسعود رضي الله عنه كما في المغرب للمطرزي .
وقال في هدية المهديين : وفي إنكار قرآنية المعوذتين اختلاف المشايخ والصحيح أنه كفر ، انتهى" ( 4 ) .

وقال القاضي أبو بكر الباقلاني :" فإن قيل : إذا قلتم أنـها –البسملة- ليست بقرآن هل تكفّرون من قال إنـها قرآنا كما تكفّرون من جعل " قفا نبك " قرآن ؟ قيل : هذا يلزم على قول من يكفر من قال إنـها ليست منه ، وهذا ليس بصحيح ولا مرضي ، بل كل من أثبتها آية من القرآن مخطئ ذاهب عن الحق ولم يجب تكفيره لأن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم أمر بكتابتها في فواتح السور ، وجهر بـها تارة ، فوجب تخطـئـته لأجل تركه تأمل حال عادته صلى الله عليه (وآله) وسلم في إلقاء القرآن ، وأنه يلقيه إلقاء شائعا ذائعا ، فكان مخطئا في هذا الوجه متأولاً ضربا
( 1 ) ن.م ج5ص131.
( 2 ) راجع كشف الظنون للقسطنطيني الحنفي ج2ص1953 ، إنكار ابن مسعود للمعوذتين سيأتي الكلام عنه بإذنه تعالى .
( 3 ) روح البيان ج10ص546 ط دار إحياء التراث .
( 4 ) ن.م ص546
أقول : هذه المصنفات لعلماء من أهل السنة قد أغفلها الدهر ، فيتضح أن الاقتصار على المصنفات الموجودة بين أيدينا للحكم بخلو فرقة ما من رأي معين أمر غير صحيح .

من التأويل لا يُصيّره بمثابة من ألحق بالقرآن ما علم ضرورة من أنّ الرسول صلى الله عليه (وآله) وسلم قال قولا ظاهرا إنـها ليست من القرآن وأشاع ذلك إشاعة تكفّر من ردّها " ( 1 ) .

وقال العلامة محي الدين النووي في المجموع :" وأجمعت الأمة على أنه لا يكفر من أثبتها –البسملة- ولا من نفاها لاختلاف العلماء فيها ، بخلاف ما لو نفى حرفاً مجمعاً عليه أو أثبت ما لم يقل به أحد ، فإنه يكفر بالإجماع " ( 2 ).
أقول : إن كان تضارب روايات البسملة عندهم كفيلة في تحقق الشبهة المانعة من التكفير فلا ريب في تحققها عند بعض الإخبارية الذين صححوا كثيرا من الروايات التي تدل على نقصان بعض الكلمات من القرآن .

وهذا ما ذكره البيهقي في سننه الكبرى : " قالوا والذي روينا عن الشافعي وغيره من الأئمة من تكفيـر هؤلاء المبتدعة فإنـما أرادوا به كفرا دون كفر هو كما قال الله عز وجل {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ}(المائدة/44) ، قال ابن عباس : إنه ليس بالكفر الذي تذهبون إليه إنه ليس بكفر ينقل عن ملة ولكن كفر دون كفر .
قال الشيخ رحمه الله : فكأنـهم أرادوا بتكفيرهم ما ذهبوا إليه من نفي هذه الصفات التي أثبتها الله تعالى لنفسه وجحودهم لها بتأويل بعيد مع اعتقادهم إثبات ما أثبت الله تعالى فعدلوا عن الظاهر بتأويل فلم يخرجوا به عن الملة وإن كان التأويل خطأ كما لم يخرج من أنكر إثبات المعوذتين في المصاحف كسائر السور من الملة لـما ذهب إليه من الشبهة وإن كانت عند غيره خطأ " ( 3 ) .
وكلامه الأخير نص صريح ولا يحتاج إلى تعليق .

حتى أن شيخ الوهابية ابن تيمية نص على عدم تكفير من أنكر قرآنا ثابتا لاشتباهه ولعدم قيام الدليل لدى المنكر كتواتر قرآنية السورة والآية ، وحال هذا المنكر للقرآن في عدم تكفيره عند ابن تيمية حال بعض الصحابة والتابعين الذين أنكروا بعض نصوص القرآن الثابتة بالتواتر لعدم قيام الحجة لديهم ، ونقدم أولا كلامه عن عدم تكفير من اشتبه وادعى أن بعض ما في القرآن ليس من كلام الله عز وجل :
( 1 ) نكت الانتصار لنقل القرآن ص79 .
( 2 ) المجموع ج3ص281 ، إعانة الطالبين ج1ص139، عون المعبود ج2ص353، نيل الأوطار للشوكاني ج2ص208 ط الحلبي الثانية ، أقول : قول النووي الأخير ستأتي مناقشته بإذنه تعالى .
( 3 ) سنن البيهقي الكبرى ج10ص207ح20688.

" ولا ريب أن من قال إن أصوات العباد قديمة فهو مفتر مبتدع له حكم أمثاله كما إن من قال أن هذا القرآن ليس هو كلام الله فهو مفتر مبتدع له حكم أمثاله ومن قال إن القرآن العربي ليس هو كلام الله بل بعضه كلام الله وبعضه ليس كلام الله مفتر مبتدع له حكم أمثاله ( 1 ) ، ومن قال إن معنى آية الكرسي وآية الدين و قل هو الله أحد و تبت يدا أبى لهب معنى واحد فهو مفتر مبتدع له حكم أمثاله ، وأما التكفير فالصواب أنه من اجتهد من أمة محمد وقصد الحق فأخطأ لم يكفر ، بل يغفر له خطأه ، ومن تبين له ما جاء به الرسول فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين فهو كافر " ( 2 ) .
" فالتكفير يختلف بحسب اختلاف حال الشخص ، فليس كل مخطئ ولا مبتدع ولا جاهل ولا ضال يكون كافرا ، بل ولا فاسقا بل ولا عاصيا ، لا سيما في مثل مسألة القرآن ، وقد غلط فيها خلق من أئمة الطوائف المعروفين عند الناس بالعلم والدين ، وغالبهم يقصد وجها من الحق فيتبعه ويعزب عنه وجه آخر لا يحققه ، فيبقى عارفا ببعض الحق جاهلا بعضه بل منكرا له" ( 3 ) .


وأفصح ابن تيمية عما في صدره حينما استدل على عدم جواز تكفير من أنكر نصوص القرآن الثابتة التي نقرؤها في صلاتنا ، لشبهة عرضت له أو لعدم ثبوتـها عنده بالتواتر ، قال :
" وأيضا فإن السلف أخطأ كثير منهم في كثير من هذه المسائل ، واتفقوا على عدم التكفير بذلك ، مثل ما أنكر بعض الصحابة أن يكون الميت يسمع نداء الحي و أنكر بعضهم أن يكون المعراج يقظة وأنكر بعضهم رؤية محمد ربه ولبعضهم في الخلافة والتفضيل كلام معروف ، وكذلك لبعضهم في قتال بعض ولعن بعض وإطلاق تكفير بعض أقوال معروفة ، وكان القاضي شريح يذكر قراءة من قرأ ( بل عجبتَ ) ويقول : إن الله لا يعجب ، فبلغ ذلك إبراهيم النخعي فقال : إنما شريح شاعر يعجبه علمه ، وكان عبد الله أفقه منه ، فكان يقول ( بل عجبتُ ) فهذا قد أنكر قراءة ثابتة ، وأنكر صفة دل عليها الكتاب والسنّة ، واتفقت الأمة على أنه إمام من الأئمة ، وكذلك بعض السلف أنكر بعضهم حروف القرآن ( 4 ) ، من إنكار بعضهم قوله {أَفَلَمْ يَيْئَسْ الَّذِينَ آمَنُوا}(الرعد/31). وقال ( 5 ) : إنـما هي ( أولم يتبين الذين آمنوا ) ، وأنكر الآخر قراءة قوله {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ}(الإسراء/23).
( 1 ) فها هو ابن تيمية لم يكفر من ادعى التحريف بل بدعه وضلله فقط .
( 2 ) لاحظ تعليق الكفر على علم المنكر بصدور ما أنكره من الشرع .
( 3 ) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في التفسير ج12ص179-180.
( 4 ) وهذا اعترف صريح منه بإنكار السلف بعض أحرف من القرآن .
( 5 ) وسيأتي بيان أن هذا المنكر هو حبر الأمة ابن عباس .

وقال ( 1 ) : إنـما هي : ( ووصى ربك ) ، وبعضهم ( 2 ) كان حذف المعوذتين ، آخر ( 3 ) يكتب سورة القنوت .
وهذا خطأ معلوم بالإجماع والنقل المتواتر ( 4 ) ، ومع هذا فلم يكن قد تواتر النقل عندهم بذلك لم يكفروا ، وإن كان يكفر بذلك من قامت عليه الحجة بالنقل المتواتر ( 5 ) " ( 6 ) .

وإلى هنا يتضح ما أرادته الوهابية من الشيعة ، يريدون من الشيعة تكفير بعض علمائهم سفاهة وعلى دين الوهابية! ( 7 ) ، لا على مذهب أهل السنة ولا على مذهب شيخهم ابن تيمية ، فضلا عن مذهب أهل البيت الذي تدين به الشيعة ! ، ولا أزيدك علما أن الوهابية يستمزجون التكفير ويستهوونه وإن كانت رعونتهم في إطلاق كلمة الكفر مخالفة لنفس المذهب الذي ينتسبون له !
( 1 ) قصد الضحاك بن مزاحم كما سيأتي بإذنه تعالى .
( 2 ) قصد عالم القرآن عبد الله بن مسعود كما سيأتي بإذنه تعالى.
( 3 ) قصد سيد القراء أبي بن كعب كما سيأتي بإذنه تعالى .
( 4 ) فمع اعتراف ابن تيمية بإنكار سلفه الصالح لما هو موجود في مصاحفنا من القرآن نجده يقول أن هذا من الخطأ ، وهذا بعينه ما نقمته الوهابية على الشيعة عندما قالوا بخطأ من قال منهم بتحريف القرآن ، مع أن شيخ إسلامهم ابن تيمية يقولها ، ولا من نكير ! ناهيك عن أن إنكار هؤلاء السلف للقرآن أشنع وأفظع لأنـهم أنكروا الموجود وأضافوا غيره أي هو تحريف بالنقص وزيادة بخلاف بعض الشيعة الذين قالوا أنه نقص منه فقط ، وعلى أي حال فالشيعة على مر الزمن يُستضعفون بالباطل .
( 5 ) وأوضح منه من ادعى سقوط شيء من القرآن ويرى أن وقوع التحريف في القرآن قد جاء به الشرع وتواترت فيه الأخبار ، ولا معنى لأن يثبت عندهم بالتواتر عدم كونـها من القرآن ، فهي من باب السالبة بانتفاء الموضوع .

( 6 ) مجموع فتاوى ابن تيمية ج12ص492 مطابع الرياض ط الأولى 1382ه‍ .
( 7 ) ولا غرابة في ذلك فقد قامت الوهابية على أكتاف التكفير وسفك الدماء ، قال صديق بن حسن القنوجي في أبجد العلوم ج3ص194 وما بعدها : ( قال الشيخ الإمام العلامة محمد بن ناصر الحازمي الآخذ عن شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني : وأشهر ما ينكر عليه – مبتدع الوهابية محمد بن عبد الوهاب - خصلتان كبيرتان الأولى : تكفير أهل الأرض بـمجرد تلفيقات لا دليل عليها وقد انصف السيد الفاضل العلامة داود بن سليمان في الرد عليه في ذلك ، الثانية : التجاري على سفك الدم المعصوم بلا حجة ولا إقامة برهان ، وتتبع هذه جزئيات –
إلى قوله - ثم لما تم للشيخ ابن عبد الوهاب ما أراد في تلك القرى المجاورة للدرعية وهي قرية الشيخ عبد العزيز واجتمع على الإسلام معه عصابة قوية صاروا يدعون من حولهم من القرى بالرغبة والرهبة ويقاتلون من حولهم من الأعراب ثم لما تمكن في قلوبـهم الإسلام وهم عرب غنام قرر لهم إن من دعا غير الله أو توسل بنبي أو ملك أو عالم فإنه مشرك شاء أو أبى اعتقد ذلك أم لا وتعدى ذلك إلى تكفير جمهور المسلمين وقد قاتلهم بـهذا الوجه الذي أبداه –
إلى قوله - بعد بلوغها الشيخ الفاضل عبد الرحمن النجدي ووصف لنا من حال ابن عبد الوهاب أشياء أنكر ما عليه من سفك الدماء ونـهبه الأموال وتجاربه على قتل النفوس ولو بالاغتيال وتكفيره الأمة المحمدية في جميع الأقطار ، فبقي معنا تردد فيما نقله الشيخ عبد الرحمن حتى وصل الشيخ مربد وله نباهة ووصل ببعض رسائل ابن عبد الوهاب التي جمعها في وجه تكفير أهل الإيمان وقتلهم ونـهبهم وحقق لنا أحواله وأفعاله وأقواله فرأينا أحواله أحوال رجل عرف من الشريعة شطر ولم يمعن النظر ولا قرأ على من يهديه نهج الهداية وبدله على العلوم النافعة ويفقهه فيها بل طالع بعضا من مؤلفات الشيخ أبي العباس ابن تيمية ومؤلفات تلميذه ابن القيم الجوزية وقلدهما من غير إتقان مع أنـهما يحرمان التقليد –
إلى قوله - ثم وقفت لهذا العهد على كتاب رد المحتار وحاشية الدر المختار للسيد محمد أمين بن عمر المعروف بابن العابدين بمصر حالا وكان في سنة ما لفظه : كما وقع في زماننا في إتباع عبد الوهاب الذي خرجوا من نجد وتغلبوا على الحرمين وكانوا ينتحلون مذهب الحنابلة كلنهم اعتقدوا أنـهم هم المسلمون وإن من خالف اعتقادهم مشركون واستباحوا بذلك قتل أهل السنة وقتل علمائهم حتى كسر الله شوكتهم وخرب بلادهم وظفر بـهم عساكر المسلمين عام ثلث وثلثين مائتين وألف " .
راجع كذلك الخلاصة الكلام لفقيه الشافعية زيني دحلان ، وغيره ممن كتبوا عن الوهابية ....
بعد هذا كله .. فلو لم تقتنع بان الشيعة لا يرون تحريف القران مذهبا .. فلو جاءك من نزل القرآن عليه وقال لك انك على خطأ فلن تقتنع أبدا وستصر على رأيك .. اتمنى ان تقرأ وأن تعلم ان الافكار والمفاهيم ليست هي سؤال وجواب نعم او لا .. فهناك مقدمات وأسس لو لم تكن ملما بها فلن تعرف معنى النعم ولا معنى اللا .. وستختلط عليك الامور .. وترى الحجه ليست حجه والدليل ليس دليلا .. بل والحق ليس حقا .. فبيان الشيء من اهله افضل من اتباع انصاف الافكار والحكم على الطوائف الاسلامية من غيرالرجوع اليها والتبين منها .. فأهل مكة ادرى بشعابها .

والحمد لله رب العالمين