بعد بيان انه ليس ثمة قائل بتحريف اللفظ من خلال الجزئين الاول والثاني .. اعرج على مسألة التكفير لمن يقول بالتحريف
... فليس القائل بتحريف المعنى كمن قال بتحريف اللفظ وليس كمن قال بتحريف الترتيب في السور ونزولها الخ .. ممن يوصفون بانهم يقولون بالتحريف فتكفير الكل من هؤلاء لاقائل به من المذاهب الاسلامية .. فيحتاج فهم التكفير الى بيان سوف الخصه لك بالاتي ..
.... لنناقش الفكرة بشيء من العلمية ، فنبدأ بذكر استدلالات من سار على كفر من قال بتحريف القرآن بلا أي تفريق بين هذه الاقسام بلا عقل ولا رأي منير .. ولا اقصد بذلك جمهور اهل السنة فسوف اعرض في الحديث عن موقف علماء السنة بهذا الخصوص كي تتضح لك الصورة اخي القاريء ..
وبالأثناء نذكر رأي الشيعة في المسألة وبعض الضوابط ، لنرى هل الكفر يصح على مباني الشيعة أيضا أم لا .
ولنعرض عن ذكر استدلالات من كفر الجميع التي تتسم بالأسلوب الخطابي الرتيب وهي للهزل أقرب منها للجد ، ولنعتمد استدلال اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الذي يعتبر عند هؤلاء استدلالا علميا ( هؤلاء يعني الوهابية )، وهي اللجنة التي يرأسها كبير الوهابية ابن باز ، قال :
" ومن قال : إنه غير محفوظ أو دخله شيء من التحريف أو النقص فهو ضال مضل ، يستتاب فإن تاب وإلاّ وجب على وليّ الأمر قتله مرتدا ، لأن قوله يصادم قول الله عز وجل {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر/9). ويصادم إجماع الأمة على حفظه وسلامته " ( 1 ) .( 1 ) المصدر .. فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ج4ص8فتوى6137 ط رئاسة إدارة البحوث .
فهذه الردة وهدر الدم سببها مصادمة الآية ومصادمة إجماع الأمة ، ونحن إرضاء لخاطر الوهابية وتقوية لاستدلالهم نزيد على الوجهين السابقين وجها آخر للتكفير ونرتب لهم المطلب ، فنقول :
من قال بتحريف القرآن لا يخلو الوجه في تكفيره من أحد ثلاثة أسباب :
1- كذّب صريح القرآن وهو قوله تعالى {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر/9). وقوله تعالى {لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}(فصلت/42).
2- خالف ضروريا من ضروريات الدين .
3- خالف أمرا مجمعا عليه .
فنقول لدعاة التكفير : حبا وكرامة ! ، ولكن على فقه من تريدون التكفير من الشيعة ؟! على فقه أهل البيت عليهم السلام أم على فقه شكيب وشكيبة ؟! ، معلوم عند الجميع أن الشيعة لا يقيمون
وزنا لفقه لم يأتـهم من أهل البيت عليهم السلام الذين أنزل الله فيهم {عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا}(الإنسان/21). {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}(الأحزاب/33) ، ومع ذلك سنمن على الوهابية مرة أخرى بذكر كلمات علماء أهل السنة في أثناء البحث المؤيدة لما ذهب له علماء الشيعة .
* مناقشة أسباب التكفير :
السبب الأول : القول بتحريف القرآن يلزم منه تكذيب الله عز وجل فيما أخبر به في كتابه .
ويرد عليه أن المخالفة لكتاب الله عز وجل شيء ، والتكذيب والجحد له شيء آخر ، فالتكذيب بمعنى أن يعلم المكلف بما أخبر الله عز وجل به ولكنه لا يصدقه ولا يقتنع به ، فهذا كفر ، وأما لو أخطأ في فهم ما أخبر به الله عز وجل وصار إلى غيره مع كونه يرجو موافقة كلام الله عز وجل ، فهذا خالف كتاب الله عز وجل لجهله وهذا لا يكفر ، والإخبارية هم من هذا القسم بالنسبة للآيتين ، وهذا لأمرين :
1- عدم حجية الظاهر عندهم .
مر سابقا أن الإخبارية يقولون بعدم حجية ظواهر القرآن لأن القرآن لا يفهمه إلا من خوطب به وهم الرسول وآل بيته صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .
لذا فإن مراد الله عز وجل من الآيتين الكريمتين غير معلوم عندهم ، فلا يصح اتـهامهم بجحد وتكذيب ما أخبر به الله عز وجل ، وهذا يجري على كثير من علماء الإسلام الذين أخطأوا في فهم آية أو حكم من آية ، نحو من يقول بعدم جواز رؤية الله عز وجل يوم القيامة مع ما يخبر به الظاهر الساذج لهذه الآية {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}(القيامة/23-24)
وكذا شبيه قول من يدعي تحقق رؤية المؤمنين له يوم القيمة سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا مع أن الله عز وجل يخبر في المحكم من كتابه أنه لا تدركه الأبصار ، قال تعالى {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير}(الأنعام/103). ويقول {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}(الشورى/11) ، وباتفاق أهل القبلة لا يكفر كلا الطرفين مع أن أحدهما خالف ما أخبر الله به جزما .
2- قالوا بعدم دلالة ظاهر الآيتين على المطلوب .
فالآية الأولى غاية ما تدل عليه أن الله عز وجل تكفل بحفظ القرآن ولكنها ساكتة عن حفظه عند جميع الناس فلعل الله عز وجل لم يقصد بالحفظ حفظه عند كل المسلمين بل أراد حفظه عن سيد المسلمين وإمامهم ، فمن أين استفدنا حفظه عند كل المسلمين من الآية !
والآية الأخرى تدل على منع استعلاء شيء عليه ولا يطرأ طارئ يظهر عليه فيبطل مضمونه ومحتواه من العلوم والمعارف سواء مما سبقه كالتوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الكتب السابقة أو مما يأتي به الناس من علوم ، وليس المقصود أن الباطل في الآية بمعنى حذف الكلمات ونقصها ، ويمكن تقريب هذه الدلالة بلحاظ مرجع الضمير (لا يأتيه الباطل) إذ لا يمكن أن يكون مرجعه إلى هذا المصحف لأنـها نزلت والمصحف لم يفرغ من جمعه بعد ، فلا ريب أن المقصود به –بزعمهم- القرآن في الكتاب المكنون ، فأي تحريف يقع هناك ؟!
لذا الآيتان في نظرهم لا تدلان على المدعى .
السبب الثاني : خالف ما هو معلوم من الدين بالضرورة .
حتى يتضح الحق في هذه الدعوى يجب تقديم مقدمتين :
حتى يتضح الحق في هذه الدعوى يجب تقديم مقدمتين :
المقدمة الأولى : ما هو ضابط كون الشيء معلوما من الدين بالضرورة ؟
المعلوم من الدين بالضرورة هو ما لا يحتاج انتسابه للدين إلى دليل ولا يشك فيه أحد من المسلمين ، فيكون انتسابه للدين بديهيا بين الناس ، كوجوب الحج أو الصلاة في الإسلام ( 1 ) ، لذا ما يتوقف إثباته على الدليل لا يكون ضروريا ومعلوما بالبديهة.
المقدمة الثانية : هل يكفر المسلم بمجرد إنكاره للضروري أم بقيد وشرط ؟
لو أنكر مسلم أمرا معلوما من الدين بالضرورة ، فإن آل إنكاره إلى إنكار الألوهية أو الرسالة فإنه يكفر بلا ريب ، وأما لو لم يرجع إنكاره لإنكار الألوهية والربوبية أو الرسالة كمن طرأت له شبهة أو حصل له لبس أدى بالمنكر إلى تلك النتيجة فإنه لا يكفر .
مثلا لو أنكر مسلم استحباب الصدقة لشبهة طرأت له ولبعض الأدلة ففي هذه الحالة يكون قد أنكر معلوما من الدين بالضرورة ولكن هذا الإنكار لا يستوجب الارتداد والمروق عن الملة ، نعم من قال إن الصدقة غير مستحبة مع إقراره أن الرسول صلى عليه وآله وسلم قال باستحبابـها نقلا عن الله
( 1 ) لاحظ أنا نتكلم عن ضروريات الدين كالاستحباب الصدقة وصيام شهر رمضان وحرمة شرب الخمر ، لا عن أصوله فمن أنكر الألوهية أو التوحيد أو الرسالة أو المعاد يكفر بلا قيد أو شرط .
عز وجل فهذا يكفر لتعنته على أمر الله عز وجل وإنكاره للربوبية ، أما لو أقر بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم جاء به وأنكر كونه جاء به من عند الله عز وجل فهذا يكفر لأنه أنكر ضروريا يؤول إلى إنكار الرسالة ، وأما الحالة الأولى وهي إنكاره أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قال باستحباب الصدقة ونص على استحبابـها لشبهة معينة أو طرو لبس في مقدمات استدلاله في حال كونه مصدقا ومتبعا لأقوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم حال ثبوتـها عنه فإن هذا لا يكفر ولا يرتد .
قال السيد اليزدي رضوان الله تعالى عليه :" والمراد بالكافر من كان منكرا للألوهية أو التوحيد أو الرسالة أو ضروريا من ضروريات الدين مع الالتفات إلى كونه ضروريا بحيث يرجع إنكاره إلى إنكار الرسالة " ( 1 ) .
قال السيد الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه :" الكافر وهو من انتحل غير الإسلام ، أو انتحله وجحد ما يعلم من الدين بالضرورة ، بحيث يرجع جحوده إلى إنكار الرسالة ، أو تكذيب النبي صلى الله عليه وآله ، أو تنقيص شريعته المطهرة ، أو صدر منه ما يقتضي كفره من قول أو فعل " ( 2 ) .
قال السيد الخوئي رضوان الله تعالى عليه : " الكافر وهو من لم ينتحل ديناً أو انتحل ديناً غير الإسلام أو انتحل الإسلام وجحد ما يعلم أنه من الدين الإسلامي بحيث رجع جحده إلى إنكار الرسالة ، نعم ، إنكار المعاد يوجب الكفر مطلقاً " ( 3 ) .
قال الشيخ الآراكي رضوان الله تعالى عليه : " الكافر -أي من أنكر الله أو جعل لله شريكا ، أو لم يعترف بنبوة خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم - نجس . والأحوط وجوبا الاجتناب عن كل منكر لضرورة من ضروريات الدين مثل الصلاة والصوم مما يعتبره المسلمون من أجزاء دين الإسلام إن علم أن ذلك من ضروريات الدين ورجع إنكاره إلى إنكار النبوة " ( 4 ) .
( 1 ) العروة الوثقى ج1ص67 ط دار الإرشاد.
( 2 ) تحرير الوسيلة ج1ص118 ط اسماعيليان . ( 3 ) منهاج الصالحين ج1ص109 .
( 4 ) المسائل الواضحة ج1ص22 ط مكتب الإعلام الإسلامي .
قال السيد عبد الأعلى السبزواري رضوان الله تعالى عليه : " الكافر وهو من انتحل ديناً غير الإسلام وجحد ما يعلم أنه من الدين الإسلامي بحيث رجع إلى إنكار الرسالة أو إنكار المعاد " ( 1 ).
قال السيد محمد الروحاني رضوان الله تعالى عليه : " الكافر وهو من لم ينتحل ديناً أو انتحل ديناً غير الإسلام أو انتحل الإسلام وجحد ما يعلم أنه من الدين الإسلامي ، نعم ، إنكار المعاد يوجب الكفر مطلقاً " ( 2 ) .
قال السيد السيستاني حفظه الله تعالى : "الكافر هو من لم ينتحل دينا ، أو انتحل دينا غير الإسلام ، أو انتحل الإسلام وجحد ما يعلم أنه من الدين الإسلامي بحيث رجع جحده إلى إنكار الرسالة ولو في الجملة بأن يرجع إلى تكذيب النبي صلى الله عليه وآله في بعض ما بلغه عن الله تعالى في العقائد -كالمعاد- أو في غيرها كالأحكام الفرعية ، وأما إذا لم يرجع جحده إلى ذلك بأن كان ذلك بسبب بعده عن محيط المسلمين وجهله بأحكام هذا الدين فلا يحكم بكفره ، وأما الفرق الضالة المنتحلة للإسلام فتختلف الحال فيهم " ( 3 ) .
قال الشيخ الوحيد الخراساني حفظه الله تعالى : " والكافر وهو المنكر لله أو رسالة خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم أو المعاد أو الشاك في الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم أو المشرك بالله أو الشاك في وحدانيته ، نجسٌ ، وكذلك الغلاة – أي القائلين بألوهية أحد الأئمة عليهم السلام أو القائلين بحلول الله تعالى في أحدهم عليهم السلام – والنواصب – وهم أعداء أحد الأئمة عليهم السلام أو أعداء فاطمة الزهراء سلام الله عليها- ، والمنكر لإحدى ضروريات الدين –كالصلاة والصيام- مع علمه بأنـها من ضروريات الدين " ( 4 ) .
قال الميرزا جواد التبريزي حفظه الله تعالى : " الكافر ، والمشهور بين الفقهاء نجاسته مطلقا ، وإن كان من أهل الكتاب ، وهو الأحوط الأولى والأظهر أن الناصب في حكم الكافر وإن كان مظهرا
( 1 ) منهاج الصالحين ج1ص98 ،ط دار الكتاب الإسلامي .
( 2 ) منهاج الصالحين ج1ص27 ط دار الزهراء .
( 3 ) منهاج الصالحين ج1ص139 ط مكتب سماحة السيد في قم المقدسة .
( 4 ) توضيح المسائل ص191 م107 ، الفارسية .
للشهادتين والاعتقاد بالمعاد ، ومن أنكر شيئا من ضروريات الدين ولم تحتمل فيه الشبهة يحكم بكفره ، وكذا من علم إنكاره من فعله كمن استهزأ بالقرآن ، أو أحرقه –والعياذ بالله- متعمدا " ( 1 ) .
قال السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم حفظه الله تعالى :" إنكار الضروري من الدين إن رجع إلى عدم الإقرار به بعد العلم بإنزاله من قِبل الله تعالى ، أو إلى تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تبليغه به بعد العلم بتبليغه له كان موجبا للكفر ، وإن رجع إلى عدم العلم بثبوته في الدين أو بتبليغ النبي صلى الله عليه وآله له ، لم يوجب الكفر كما إذا نشأ من الجهل بتحريمه أو من شبهة اعتقد معها عدم التحريم " ( 2 ) .
وعلى هذا فلو لم يعلم المنكر أن ما أنكره جزء من الدين بل نفي كونه منه لشبهة ولبس ، مع إيمانه في قرارة نفسه أنْ لو ثبت عنده مجيء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما أنكره لاتبعه ولأخذ به بكل انقياد وتسليم فإن إنكاره – في هذه الحالة - لا يؤول إلى إنكار الألوهية أو الرسالة أو تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم والعياذ بالله ، فلا يحكم بكفره ، وبعبارة مختصرة إن منكر الضروري لا يكفر إلا برجوع إنكاره إلى إنكار الألوهية أو الرسالة أو تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وبعد ما قدمنا يتضح أن دعوى تكفير من قال بتحريف القرآن لإنكاره ضروريا كلام ساقط من رأس وجرأة على الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، لأمرين :
1- لم يثبت أن من ضروريات الدين الاعتقاد باحتواء مصحفنا لكل كلمات القرآن التي نزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
فلو سئل أهل الإسلام في بقاع الأرض عما إذا كان هذا المصحف الذي في بيوتنا اليوم قد اشتمل على كل كلمة وحرف نزل من السماء قبل أكثر من أربعة عشر قرنا ولم تخف كلمة أو حرف عمن جمعه أو لم يتلاعب به أحد من بعدهم ، فلا يعد الجواب على هذا السؤال بديهيا لا يشك فيه ، وليس هو كبداهة سؤال المسلم لأخيه عما إذا كانت الصلاة واجبة في الإسلام ، ولذا عندما يتطرق علماء الشيعة وأهل السنة لإثبات صيانة القرآن من التحريف يعتمدون الدليل لإثبات مدعاهم كآية الحفظ {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر/9) ، فاستدلالهم هذا على عدم وقوع التحريف في القرآن يناقض كونه من بديهيات الدين التي لا يحتاج لإقامة الدليل .
( 1 ) المسائل المنتخبة ص66، ط الفقيه . ( 2 ) منهاج الصالحين ج1ص127م400 ط دار الصفوة .
قال في الفقه المقارن : " والقول بعدم التحريف لم يثبت أنه دين بالضرورة وإلاّ لما احتاج إلى الاستدلال عليه بآية {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر/9) وما يحتاج إلى الاستدلال لا يكون من الضروريات " ( 1 ) .
2- من قال بتحريف القرآن فإن قوله لا يؤول إلى إنكار الألوهية أو الرسالة أو تكذيب النبي صلى الله عليه وآله سلم.
فقد مر سابقا أن من قال بالتحريف لا يرى أن الله عز وجل تكفل بحفظ القرآن في مصاحف المسلمين ، لأن الآيتين في نظره لا تدلان عليه فضلا عن قبوله لحجية ظاهريهما ، ولا يرى أن النبي صلى الله عليه وآله سلم قد أخبر بحفظ القرآن في مصاحف المسلمين بل على العكس هو يرى أن الرسول وأهل بيته صلى الله عليهم أجمعين صرحوا بأن التحريف وقع فيه وأنه بُدل وتلاعبوا به .
ويتضح على هذا أن تفسيرهم لظاهر الآيتين الكريمين ومحاولتهم تفادي معارضة الآيتين لما صاروا إليه من القول بالتحريف وكذا تأويلهم وإيجادهم المخارج لحديث الثقلين ولروايات عرض الحديث على القرآن ، كل هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن هؤلاء القوم متبعون لأمر الله ونـهيه ، يتجنبون معارضة قوله ، وكذا مقتفون لسنة رسوله وما أخبر به صلى الله عليه وآله وسلم لذا ذكروا الوجوه لحديث الثقلين وأحاديث العرض حتى لا يتورطوا في معارضة كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنكارهم لصيانة القرآن من التحريف – لو سلمنا جدلا أنه من الضروريات - لا يؤول إلى إنكار الألوهية أو إنكار الرسالة كالتعنت على أمر المولى أو أمر رسوله صلى الله عليه وآله سلم ولا يؤول إلى تكذيب النبي صلى الله عليه وآله سلم ، وكل هذا مانع من التكفير جزما وقطعا ، مع التسليم بأن هذا الأمر من ضروريات الدين .
السبب الثالث : خالف ما هو مجمع عليه .
* ملاحظة : قبل مناقشة هذا سبب التكفير هذا ، يلزم التنبيه على نقطة وهي أن بعض أهل السنة يستدل بالإجماع على صيانة القرآن من التحريف وهذا استدلال فاسد لأنه استدلال دوري ، فحجية الإجماع عند أهل السنة ترجع إلى ما رووه أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال : لا تجتمع أمتي على ضلالة. وهذا
( 1 ) الأصول العامة للفقه المقارن ص 109 للسيد محمد تقي الحكيم رحمه الله ط . دار الأندلس .
لكلام حجيته نابعة من صدوره عن شخص مرسل من قِبل الله عز وجل ، والدليل على رسالته هو إعجاز القرآن ، وإعجازه لا يعتمد عليه إلا بعد الفراغ من أن القرآن سليم من الدس والنقصان لأن كل آية نضع يدنا عليها نحتمل أن بعض كلماتـها سقطت أو دست في الآية ، لذا أصبح عدم تحريف القرآن معتمد على الإجماع ، والإجماع معتمد على رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والرسالة معتمدة على إعجاز القرآن ، وإعجازه معتمد على سلامته من التحريف ! فسلامة القرآن من التحريف تعتمد على سلامته من التحريف ، لذا لا يصح استدلال أهل السنة بالإجماع –إن تم - على سلامة القرآن من التحريف .
أما كون سلامة القرآن من التحريف أمرا مجمعا عليه لذا يكفر من خالفه ، فهذا السبب للتكفير أسخف من سابقيه ، لأمور :
1- هذه الدعوى فيها إلزام للشيعة بتكفير بعض علمائهم لأن عدم التحريف أمر مجمع عليه عند أهل السنة !!
2- دعوى الإجماع على صيانة القرآن من التحريف لم تتحقق عند أهل السنة فضلا عن الشيعة ، وسيأتي ذكر كلمات من قال من علماء أهل السنة بتحريف القرآن .
3- الإجماع ليس دليلا عند الشيعة في قبال الأدلة الأخرى وإنما هو مجرد كاشف عن الدليل ، فلا تكون معارضته معارضة للدليل الشرعي بل معارضة للطريق ، لذا المنكر قد ينكر كاشفية الطريق لا ما يكشف عنه .
ولنذكر هنا كلمات علماء أهل السنة الناصة على أن منكر المجمع عليه لا يكفر إلا في حال علمه أن ما أنكره قد صدر من الشارع لمآله إلى إنكار الرسالة ، وهو عين ما يدعيه علماء الشيعة ، فقد يتحقق الإجماع على شيء ولكن المنكر لا يثق بالصدور من إجماعهم لأدلة أخرى أو لشبهة طرأت له ، فلا يكفر لاشتباهه ، وعليه جمهور علماء الإسلام ، ومع ذلك تريد الوهابية أن تتبع الشيعة أمزجتهم
بعد هذا البيان قد عرفت ان الشيعة يكفرون من يرى التحريف ولكن بشروط وظوابط اعلاه .. فلا يمكن ان نكفر المسلمين على الظن كما يفعل اتباع التيار اللا اسلامي المتشدد الذي شوه صورة الاسلام في العالم بتحليه دم الكافر الكتابي وغيره المحارب وغيره والمسلم وغيره والسني وغيره ..
كلمات علماء أهل السنة في أن خارق الإجماع لا يكفر
وقال إمام الحرمين الجويني في البرهان في أصول الفقه : " فشا في لسان الفقهاء أن خارق الإجماع يكفر وهذا باطل قطعا فإن من ينكر أصل الإجماع لا يكفر والقول في التكفير والتبرؤ ليس بالـهين
ولنا فيه مجموع فليتأمله طالبه ، نعم من اعترف بالإجماع وأقر بصدق المجمعين في النقل ثم أنكر ما أجمعوا عليه كان هذا التكذيب آيلا إلى الشارع عليه السلام ومن كذب الشارع كفر والقول الضابط فيه أن من أنكر طريقا في ثبوت الشرع لم يكفر ومن اعترف بكون الشيء من الشرع ثم أنكره كان منكرا للشرع وإنكار جزئه كإنكار كله ( 1 ) " ( 2 ) .
وقال للحلبي الحنفي في التقرير : " ولـهذا قال الشيخ صفي الدين الهندي في النهاية جاحد الحكم المجمع عليه من حيث إنه مجمع عليه بإجماع قطعي لا يكفر عند الجماهير خلافا لبعض الفقهاء وإنما قيدنا بالإجماع القطعي لأن جاحد حكم الإجماع الظني لا يكفر وفاقا " ( 3 ) .
وقال أيضا : " غير أن إنكار القطعي إنما يكفر منكره إذا كان ذلك القطعي ضرورياً من ضروريات الدين كما هو قول غير واحد (ومن لم يشرطه) أي الضروري في القطعي المكفر بإنكاره كالحنفية إنما يكفر منكره إذا لم يثبت فيه شبهة قوية . (فلذا) أي اشتراط انتفاء الشبهة في القطعي المنكر ثبوتاً وانتفاء (لم يتكافروا) أي لم يكفر أحد من المخالفين الآخر في التسمية لوجود الشبهة لتقويه في كل طرف لقوة دليله فإنه عذر واضح في عدم التكفير لأنه يدل على أنه غير مكابر للحق ولا قاصد إنكار ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وأن ذلك أخرجه من حد الوضوح إلى حد الإشكال " ( 4 ) .
قال العلامة الزركشي في المنثور : " أطلق كثير من أئمتنا القول بتكفير جاحد المجمع عليه ، قال النووي : وليس على إطلاقه بل من جحد مجمعا عليه فيه نص وهو من أمور الإسلام الظاهرة التي يشترك في معرفتها الخواص والعوام كالصلاة والزكاة ونحوه فهو كافر ومن جحد مجمعا عليه لا يعرفه إلا الخواص كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب وغيره من الحوادث المجمع عليها فليس بكافر ( 5 ) ، قال ومن جحد مجمعا عليه ظاهرا لا نص فيه ففي الحكم بتكفيره خلاف ونقل الرافعي
( 1 ) وهو عين ما قاله فقهاء الشيعة سابقا ، لأن كل ما يؤول إلى تكذيب الشرع والنبي صلى الله عليه وآله وسلم هو من الكفر ، وواضح أن من قال بوقوع تحريف في القرآن لا يرى أن عدم التحريف جاء الشرع به ، بل العكس ! يدعي أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد أخبر بوقوع التحريف في هذه الأمة كما حدث في الأمم السابقة بما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم : ( لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر …).
( 2 ) البرهان في أصول الفقه للجويني ج1ص462مسألة673.
( 3 ) التقرير والتحبير ج3ص151-152.
( 4 ) ن.م ج2ص286 .
( 5 ) لاحظ تعليق الحكم بالكفر على ثبوت علم المنكر بأن ما أنكره من ضروريات الإسلام .
في باب حد الخمر عن الإمام أنه لم يستحسن إطلاق القول بتكفير مستحل الإجماع وقال : كيف نكفر من خالف الإجماع ونحن لا نكفر من رد أصل الإجماع وإنما نبدعه ونضلله وأول ما ذكره الأصحاب على ما إذا صدق المجمعين على إن التحريم ثابت في الشرع ثم حلله فانه يكون ردا للشرع ".
" وقال ابن دقيق العيد أطلق بعضهم أن مخالف الإجماع يكفر ، والحق أن المسائل الإجماعية تارة يصحبها التواتر عن صاحب الشرع كوجوب الخمس وقد لا يصحبها فالأول يكفر جاحده لمخالفته التواتر لا لمخالفته الإجماع " ( 1 ) .
وذكر قول أبي حامد الغزالي : " وقد وقع التكفير لطوائف من المسلمين يكفر بعضها بعضا فالأشعري يكفر المعتزلي زاعما أنه كذب الرسول في رؤية الله تعالى وفي إثبات العلم والقدرة والصفات وفي القول بخلق القران والمعتزلي يكفر الأشعري زاعما أنه كذب الرسول في التوحيد فان إثبات الصفات يستلزم تعدد القدماء ، قال : والسبب في هذه الورطة الجهل بموقع التكذيب والتصديق ووجهه أن كل من نزل قولا من أقوال الشرع على شيء من الدرجات العقلية التي لا تحقق نقضا فهو من التعبد وإنما الكذب أن ننفي جميع هذه المعاني ويزعم أن ما قاله لا معنى له وإنما هو كذب محض وذلك هو الكفر المحض ولـهذا لا يكفر المبتدع المتأول ما دام ملازما لقانون التأويل لقيام البرهان عنده على استحالة الظواهر ( 2 ) " ( 3 ) .
وقال الزركشي في موضع آخر : " وعلى هذا فلا يسوغ لكل فريق تكفير خصمه بمجرد ظنه أنه غالط في البرهان نعم يجوز أن نسميه ضالا لأنه ضل عن الطريق أو مبتدعا لأنه ابتدع أقوالا لم يقلها السلف " ( 4 ) .
وثم ذكر قول الإمام القشيري ": وعبر بعض الأصوليين عن هذا بما معناه أن من أنكر طريق إثبات الشرع لم يكفر كمن أنكر الإجماع ومن أنكر الشرع بعد الاعتراف بطريقة كفر لأنه مكذب " ( 5 ) .
وقال ابن تيمية في المسودة :" مسألة من خالف حكما مجمعا عليه فهل يكفر بذلك قال ابن حامد وغيره انه يكفر ومرد ذلك أن يكفر من جوز كون الإجماع يقع خطأه ، وذكر كثير من( 1 ) فمخالفة المجمع عليه لا كفر فيها وإنما الكفر يلحق من قَطع بصدور الأمر المجمع عليه ، وهذا عين ما يدعيه الشيعة .
( 2 ) وهذا الضابط ينطبق على من يرى أن الآية الكريمة {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر/9) لا تدل على حفظ القرآن عند جميع الناس بل يكفي لتحقق مدلول الآية حفظ القرآن عند إمام الناس .
( 3 ) المنثور في القواعد لأبي عبد الله الزركشي ج3ص86-87.
( 4 ) ن.م ج3ص90.
( 5 ) ن.م ج3ص92 ، وهذا هو الضابط الذي ذكره الشيعة سابقا .
الطوائف من أصحابنا وغيرهم منهم القاضي في ضمن مسألة انعقاد الإجماع عن قياس : أنه يضلل ويفسق وهو مقتضى قول كل من قال إن الإجماع حجة قاطعة وهم جماهير الخلائق وقال بعض المتكلمين أنه حجة ظنية فعلى هذا لا يكفر ولا يفسق " ( 1 ) .
وننقل كلام شيخ الوهابية ابن تيمية بتمامه لعله يجد مكانا في قلوب أذنابه : " كلما رأوهم قالوا : من قال كذا فهو كافر . اعتقد المستمع–كالوهابية- أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله ، ولم يتدبروا إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين وان تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع ، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بـهذا الكلام بعينه ( 2 )
فإن الإمام أحمد مثلا قد باشر الجهمية الذين دعوه إلى خلق القرآن ونفي الصفات وامتحنوه وسائر علماء وقته وفتنوا المؤمنين والمؤمنات الذين لم يوافقوهم على التجهم بالضرب والحبس والقتل والعزل عن الولايات وقطع الأرزاق ورد الشهادة وترك تخليصهم من أيدي العدو بحيث كان كثير من أولي الأمر إذ ذاك من الجهمية من الولاة والقضاة وغيرهم يكفرون كل من لم يكن جهميا موافقا لهم على نفي الصفات مثل القول بخلق القرآن ويحكمون فيه بحكمهم في الكافر ، فلا يولونه ولاية ، ولا يفكونه من عدو ، ولا يعطونه شيئا من بيت المال ، ولا يقبلون له شهادة ، ولا فتيا ولا رواية ، ويمتحنون الناس عند الولاية والشهادة والافتكاك من الأسر وغير ذلك ، فمن أقر بخلق القرآن حكموا له بالإيمان ومن لم يقر به لم يحكموا له بحكم أهل الإيمان ، ومن كان داعيا إلى غير التجهم قتلوه أو ضربوه وحبسوه ، ومعلوم إن هذا من أغلظ التجهم فإن الدعاء إلى المقالة أعظم من قولها ، وإثابة قائلها وعقوبة تاركها أعظم من مجرد الدعاء إليها والعقوبة بالقتل لقائلها أعظم من العقوبة بالضرب ، ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه واستغفر لهم وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع ، وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنـهم لم يكفروا المعينين من الجهمية الذين كانوا يقولون القرآن مخلوق وان الله لا يرى في الآخرة " ( 3 )
( 1 ) المسودة لعبد السلام وعبد الحليم وأحمد بن تيمية ج1ص308.
( 2 ) ولكن الوهابية يقولون للشيعة : كفروا فلانا ! ، نعم نكفرهم على دين الوهابية أما على دين الله عز وجل فلا .
( 3 ) وقال أيضا ج12ص498: ( والأصل الثاني إن التكفير العام كالوعيد العام يجب القول بإطلاقه وعمومه وأما الحكم على المعين بأنه كافر أو مشهود له بالنار فهذا يقف على الدليل المعين فإن الحكم يقف على ثبوت شروطه وانتفاء موانعه )
أقول : الوهابية علاوة على مخالفتهم لأئمتهم في تعميم الكفر على المشتبه الذي لم يقم عنده دليل على شرعية ما أنكره فقد تجاوز أمرهم واستفحل حتى كفروا المعين من العلماء ، بل كفروا بعض علماء أهل السنة بأسمائهم كأحد المشهورين في زماننا فقط لأنه طعن في نتائج انتخابات الرؤساء التي تصل إلى 99.9% ، فقال : لو انتخب الله عز وجل بعظمته رئيسا لأهل الأرض لـما وافق أهلها عليه بـهذه النتيجة ، فأطلق أحد مشايخ الوهابية حكمه فقال : إن لم يرجع فهو كافر
" والدليل على هذا الأصل الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار أما الكتاب فقوله سبحانه وتعالى {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ}(الأحزاب/5). وقوله {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}(البقرة/286).
وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي أن الله تعالى قال : قد فعلت لما دعا النبي والمؤمنون بـهذا الدعاء
وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس أن النبي قال : أعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش ، وأنه لم يقرأ بحرف منها إلا أعطيه .
وإذا ثبت بالكتاب المفسر بالسنة أن الله قد غفر لهذه الأمة الخطأ والنسيان ، فهذا عام عموما محفوظا ، وليس في الدلالة الشرعية ما يوجب أن الله يعذب من هذه الأمة مخطئا على خطئه ، وان عذب المخطئ من غير هذه الأمة ، وأيضا قد ثبت في الصحيح من حديث أبى هريرة أن رسول الله قال : إن رجلا لم يعمل خيرا قط ، فقال لأهله : إذا مات فأحرقوه ثم أذرووا نصفه في البر ونصفه في البحر ، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين فلما مات الرجل فعلوا به كما أمرهم ، فأمر الله البر فجمع ما فيه ، وأمر البحر فجمع ما فيه فإذا هو قائم بين يديه ، ثم قال :لم فعلت هذا ؟ قال : من خشيتك يا رب ، وأنت أعلم . فغفر الله له.
وهذا الحديث متواتر عن النبي ، رواه أصحاب الحديث والأسانيد من حديث أبي سعيد وحذيفة وعقبة بن عمرو وغيرهم عن النبي من وجوه متعددة يعلم أهل الحديث أنـها تفيدهم العلم اليقيني وإن لم يحصل ذلك لغيرهم ممن لم يشركهم في أسباب العلم ، فهذا الرجل كان قد وقع له الشك والجهل في قدرة الله تعالى على إعادة ابن آدم بعد ما أحرق وذرى ، وعلى أنه يعيد الميت ويحشره إذا فعل به ذلك ، وهذان أصلان عظيمان ، أحدهما متعلق بالله تعالى وهو الإيمان بأنه على كل شيء قدير ، والثاني متعلق باليوم الآخر وهو الإيمان بأن الله يعيد هذا الميت ويجزيه على أعماله ، ومع هذا فلما كان مؤمنا بالله في الجملة ومؤمنا باليوم الآخر في الجملة ، وهو أن الله يثيب ويعاقب بعد الموت وقد عمل عملا صالحا ، وهو خوفه من الله أن يعاقبه على ذنوبه غفر الله له بما كان منه من الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح " ( 1 ) .
ومن كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه : " ومنهم من قال : المسائل الأصولية هي ما كان عليها دليل قطعي والفرعية ما ليس عليها دليل قطعي . قال أولئك : وهذا الفرق خطأ أيضا فان كثيرا من المسائل العملية عليها أدلة قطعية عند من عرفها وغيرهم لم يعرفها وفيها ما هو قطعي بالإجماع
( 1 ) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في التفسير ج12ص487-493.
كتحريم المحرمات ووجوب الواجبات الظاهرة ، ثم لو أنكرها الرجل بجهل وتأويل لم يكفر حتى تقام عليه الحجة ، كما أن جماعة استحلوا شرب الخمر على عهد عمر منهم قدامة ورأوا أنـها حلال لهم ولم تكفرهم الصحابة حتى بينوا لهم خطأهم فتابوا ورجعوا ، وقد كان على عهد النبي طائفة أكلوا بعد طلوع الفجر حتى تبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولم يؤثمهم النبي صلى الله عليه وسلم فضلا عن تكفيرهم وخطؤهم قطعي ، وكذلك أسامة بن زيد قد قتل الرجل المسلم وكان خطؤه قطعيا ، وكذلك الذين وجدوا رجلا في غنم له ، فقال : إني مسلم ! فقتلوه ، وأخذوا ماله كان خطؤهم قطعيا ، وكذلك خالد بن الوليد قتل بني جذيمة وأخذ أموالهم كان مخطئا قطعا ، وكذلك الذين تيمموا إلى الآباط وعمار الذي تمعك فى التراب للجنابة كما تمعك الدابة ، بل والذين أصابتهم جنابة فلم يتيمموا ولم يصلوا كانوا مخطئين قطعا ".
" وأهل السنة لا يبتدعون قولا ولا يكفرون من اجتهد فاخطأ وإن كان مخالفا لهم مستحلا لدمائهم ، كما لم تكفر الصحابة الخوارج مع تكفيرهم لعثمان وعلي ومن والاهما واستحلالـهم لدماء المسلمين المخالفين لهم ".
وقال ابن تيمية أيضا : " وهذا من أقوال القدرية والمعتزلة وغيرهم التي خالفوا بـها الكتاب والسنة وإجماع السلف والعقل الصريح كما بسط في موضعه " ( 1 ) ، أقول : ومع ذلك لم يكفر ابن تيمية المعتزلة .
كلمات علماء أهل السنة في عدم كفر من أنكر سور وآيات القرآن باجتهاد منه .
مرت كلمات علماء السنة في عدم تكفير من قال قولا اشتبه فيه ولو كان قوله كفرا في نفسه ، وهنا نذكر كلمات علماء السنة في عدم تكفير من اجتهد فأنكر آيات من القرآن أو ادعى نقصانه مشتبها :
وقال العلامة ابن نجيم الحنفي في البحر الرائق : " أنـها – البسملة - من الفاتحة ومن كل سورة ونسب إلى الشافعي ووجه الأصح إجماعهم على كتابتها مع الأمر بتجريد المصحف وقد تواترت فيه وهو دليل تواتر كونـها قرآنا وبه اندفعت الشبهة للاختلاف وإنما لم يحكم بكفر منكرها لأن إنكار القطعي لا يوجب الكفر إلا إذا لم يثبت فيه شبهة قوية فإن ثبتت فلا كما في البسملة " ( 2 ) .
( 2 ) البحر الرائق ج1ص330-331.
وقال أيضا : " ويكفر إذا أنكر آية من القرآن أو سخر بآية منه إلا المعوذتين ففي إنكارهما اختلاف والصحيح كفره ، وقيل لا ، وقيل إن كان عاميا يكفر وإن كان عالما لا " ( 1 ) .
وكلامه واضح في وجود اختلاف بين الفقهاء في كفر من أنكر قرآنية هاتين السورتين ، وواضح أن سبب قول بعض فقهائهم أن العالم لا يكفر إن أنكرهما بخلاف العامي ، لأن العالم يطلع على الروايات التي وردت في المعوذتين وموقف ابن مسعود من إنكارهما فتنشأ عنده شبهة في كونـهما من القرآن أم لا ، لذلك لا يكفر ، بخلاف العامي الذي لا مكان للاشتباه عنده ، وهذه هي القاعدة التي يقولها الشيعة .
وكذا نقل لنا الإمام البروسوي قول الإمام ابن عوض الحنفي وغيره من العلماء في عدم تكفير من أنكر المعوذتين لنفس السبب الذي ذكرناه سابقا وهو حصول الشبهة لدى المنكر سببها إنكار ابن مسعود لهما ، قال :
" وفي نصاب الاحتساب ( 2 ) : لو أنكر آية من القرآن سوى المعوذتين يكفر ، انتهى " ( 3 ) .
" وفي الأكمل عن سفيان بن سختان قال : من قال إن المعوذتين ليستا من القرآن لم يكفر لتأويل ابن مسعود رضي الله عنه كما في المغرب للمطرزي .
وقال في هدية المهديين : وفي إنكار قرآنية المعوذتين اختلاف المشايخ والصحيح أنه كفر ، انتهى" ( 4 ) .
وقال القاضي أبو بكر الباقلاني :" فإن قيل : إذا قلتم أنـها –البسملة- ليست بقرآن هل تكفّرون من قال إنـها قرآنا كما تكفّرون من جعل " قفا نبك " قرآن ؟ قيل : هذا يلزم على قول من يكفر من قال إنـها ليست منه ، وهذا ليس بصحيح ولا مرضي ، بل كل من أثبتها آية من القرآن مخطئ ذاهب عن الحق ولم يجب تكفيره لأن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم أمر بكتابتها في فواتح السور ، وجهر بـها تارة ، فوجب تخطـئـته لأجل تركه تأمل حال عادته صلى الله عليه (وآله) وسلم في إلقاء القرآن ، وأنه يلقيه إلقاء شائعا ذائعا ، فكان مخطئا في هذا الوجه متأولاً ضربا
( 1 ) ن.م ج5ص131.
( 2 ) راجع كشف الظنون للقسطنطيني الحنفي ج2ص1953 ، إنكار ابن مسعود للمعوذتين سيأتي الكلام عنه بإذنه تعالى .
( 3 ) روح البيان ج10ص546 ط دار إحياء التراث .
( 4 ) ن.م ص546
أقول : هذه المصنفات لعلماء من أهل السنة قد أغفلها الدهر ، فيتضح أن الاقتصار على المصنفات الموجودة بين أيدينا للحكم بخلو فرقة ما من رأي معين أمر غير صحيح .
من التأويل لا يُصيّره بمثابة من ألحق بالقرآن ما علم ضرورة من أنّ الرسول صلى الله عليه (وآله) وسلم قال قولا ظاهرا إنـها ليست من القرآن وأشاع ذلك إشاعة تكفّر من ردّها " ( 1 ) .
وقال العلامة محي الدين النووي في المجموع :" وأجمعت الأمة على أنه لا يكفر من أثبتها –البسملة- ولا من نفاها لاختلاف العلماء فيها ، بخلاف ما لو نفى حرفاً مجمعاً عليه أو أثبت ما لم يقل به أحد ، فإنه يكفر بالإجماع " ( 2 ).
أقول : إن كان تضارب روايات البسملة عندهم كفيلة في تحقق الشبهة المانعة من التكفير فلا ريب في تحققها عند بعض الإخبارية الذين صححوا كثيرا من الروايات التي تدل على نقصان بعض الكلمات من القرآن .
وهذا ما ذكره البيهقي في سننه الكبرى : " قالوا والذي روينا عن الشافعي وغيره من الأئمة من تكفيـر هؤلاء المبتدعة فإنـما أرادوا به كفرا دون كفر هو كما قال الله عز وجل {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ}(المائدة/44) ، قال ابن عباس : إنه ليس بالكفر الذي تذهبون إليه إنه ليس بكفر ينقل عن ملة ولكن كفر دون كفر .
قال الشيخ رحمه الله : فكأنـهم أرادوا بتكفيرهم ما ذهبوا إليه من نفي هذه الصفات التي أثبتها الله تعالى لنفسه وجحودهم لها بتأويل بعيد مع اعتقادهم إثبات ما أثبت الله تعالى فعدلوا عن الظاهر بتأويل فلم يخرجوا به عن الملة وإن كان التأويل خطأ كما لم يخرج من أنكر إثبات المعوذتين في المصاحف كسائر السور من الملة لـما ذهب إليه من الشبهة وإن كانت عند غيره خطأ " ( 3 ) .
وكلامه الأخير نص صريح ولا يحتاج إلى تعليق .
حتى أن شيخ الوهابية ابن تيمية نص على عدم تكفير من أنكر قرآنا ثابتا لاشتباهه ولعدم قيام الدليل لدى المنكر كتواتر قرآنية السورة والآية ، وحال هذا المنكر للقرآن في عدم تكفيره عند ابن تيمية حال بعض الصحابة والتابعين الذين أنكروا بعض نصوص القرآن الثابتة بالتواتر لعدم قيام الحجة لديهم ، ونقدم أولا كلامه عن عدم تكفير من اشتبه وادعى أن بعض ما في القرآن ليس من كلام الله عز وجل :
( 1 ) نكت الانتصار لنقل القرآن ص79 .
( 2 ) المجموع ج3ص281 ، إعانة الطالبين ج1ص139، عون المعبود ج2ص353، نيل الأوطار للشوكاني ج2ص208 ط الحلبي الثانية ، أقول : قول النووي الأخير ستأتي مناقشته بإذنه تعالى .
( 3 ) سنن البيهقي الكبرى ج10ص207ح20688.
" ولا ريب أن من قال إن أصوات العباد قديمة فهو مفتر مبتدع له حكم أمثاله كما إن من قال أن هذا القرآن ليس هو كلام الله فهو مفتر مبتدع له حكم أمثاله ومن قال إن القرآن العربي ليس هو كلام الله بل بعضه كلام الله وبعضه ليس كلام الله مفتر مبتدع له حكم أمثاله ( 1 ) ، ومن قال إن معنى آية الكرسي وآية الدين و قل هو الله أحد و تبت يدا أبى لهب معنى واحد فهو مفتر مبتدع له حكم أمثاله ، وأما التكفير فالصواب أنه من اجتهد من أمة محمد وقصد الحق فأخطأ لم يكفر ، بل يغفر له خطأه ، ومن تبين له ما جاء به الرسول فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين فهو كافر " ( 2 ) .
" فالتكفير يختلف بحسب اختلاف حال الشخص ، فليس كل مخطئ ولا مبتدع ولا جاهل ولا ضال يكون كافرا ، بل ولا فاسقا بل ولا عاصيا ، لا سيما في مثل مسألة القرآن ، وقد غلط فيها خلق من أئمة الطوائف المعروفين عند الناس بالعلم والدين ، وغالبهم يقصد وجها من الحق فيتبعه ويعزب عنه وجه آخر لا يحققه ، فيبقى عارفا ببعض الحق جاهلا بعضه بل منكرا له" ( 3 ) .
وأفصح ابن تيمية عما في صدره حينما استدل على عدم جواز تكفير من أنكر نصوص القرآن الثابتة التي نقرؤها في صلاتنا ، لشبهة عرضت له أو لعدم ثبوتـها عنده بالتواتر ، قال :
" وأيضا فإن السلف أخطأ كثير منهم في كثير من هذه المسائل ، واتفقوا على عدم التكفير بذلك ، مثل ما أنكر بعض الصحابة أن يكون الميت يسمع نداء الحي و أنكر بعضهم أن يكون المعراج يقظة وأنكر بعضهم رؤية محمد ربه ولبعضهم في الخلافة والتفضيل كلام معروف ، وكذلك لبعضهم في قتال بعض ولعن بعض وإطلاق تكفير بعض أقوال معروفة ، وكان القاضي شريح يذكر قراءة من قرأ ( بل عجبتَ ) ويقول : إن الله لا يعجب ، فبلغ ذلك إبراهيم النخعي فقال : إنما شريح شاعر يعجبه علمه ، وكان عبد الله أفقه منه ، فكان يقول ( بل عجبتُ ) فهذا قد أنكر قراءة ثابتة ، وأنكر صفة دل عليها الكتاب والسنّة ، واتفقت الأمة على أنه إمام من الأئمة ، وكذلك بعض السلف أنكر بعضهم حروف القرآن ( 4 ) ، من إنكار بعضهم قوله {أَفَلَمْ يَيْئَسْ الَّذِينَ آمَنُوا}(الرعد/31). وقال ( 5 ) : إنـما هي ( أولم يتبين الذين آمنوا ) ، وأنكر الآخر قراءة قوله {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ}(الإسراء/23).
( 1 ) فها هو ابن تيمية لم يكفر من ادعى التحريف بل بدعه وضلله فقط .
( 2 ) لاحظ تعليق الكفر على علم المنكر بصدور ما أنكره من الشرع .
( 3 ) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في التفسير ج12ص179-180.
( 4 ) وهذا اعترف صريح منه بإنكار السلف بعض أحرف من القرآن .
( 5 ) وسيأتي بيان أن هذا المنكر هو حبر الأمة ابن عباس .
وقال ( 1 ) : إنـما هي : ( ووصى ربك ) ، وبعضهم ( 2 ) كان حذف المعوذتين ، آخر ( 3 ) يكتب سورة القنوت .
وهذا خطأ معلوم بالإجماع والنقل المتواتر ( 4 ) ، ومع هذا فلم يكن قد تواتر النقل عندهم بذلك لم يكفروا ، وإن كان يكفر بذلك من قامت عليه الحجة بالنقل المتواتر ( 5 ) " ( 6 ) .
وإلى هنا يتضح ما أرادته الوهابية من الشيعة ، يريدون من الشيعة تكفير بعض علمائهم سفاهة وعلى دين الوهابية! ( 7 ) ، لا على مذهب أهل السنة ولا على مذهب شيخهم ابن تيمية ، فضلا عن مذهب أهل البيت الذي تدين به الشيعة ! ، ولا أزيدك علما أن الوهابية يستمزجون التكفير ويستهوونه وإن كانت رعونتهم في إطلاق كلمة الكفر مخالفة لنفس المذهب الذي ينتسبون له !
( 1 ) قصد الضحاك بن مزاحم كما سيأتي بإذنه تعالى .
( 2 ) قصد عالم القرآن عبد الله بن مسعود كما سيأتي بإذنه تعالى.
( 3 ) قصد سيد القراء أبي بن كعب كما سيأتي بإذنه تعالى .
( 4 ) فمع اعتراف ابن تيمية بإنكار سلفه الصالح لما هو موجود في مصاحفنا من القرآن نجده يقول أن هذا من الخطأ ، وهذا بعينه ما نقمته الوهابية على الشيعة عندما قالوا بخطأ من قال منهم بتحريف القرآن ، مع أن شيخ إسلامهم ابن تيمية يقولها ، ولا من نكير ! ناهيك عن أن إنكار هؤلاء السلف للقرآن أشنع وأفظع لأنـهم أنكروا الموجود وأضافوا غيره أي هو تحريف بالنقص وزيادة بخلاف بعض الشيعة الذين قالوا أنه نقص منه فقط ، وعلى أي حال فالشيعة على مر الزمن يُستضعفون بالباطل .
( 5 ) وأوضح منه من ادعى سقوط شيء من القرآن ويرى أن وقوع التحريف في القرآن قد جاء به الشرع وتواترت فيه الأخبار ، ولا معنى لأن يثبت عندهم بالتواتر عدم كونـها من القرآن ، فهي من باب السالبة بانتفاء الموضوع .
( 6 ) مجموع فتاوى ابن تيمية ج12ص492 مطابع الرياض ط الأولى 1382ه .
( 7 ) ولا غرابة في ذلك فقد قامت الوهابية على أكتاف التكفير وسفك الدماء ، قال صديق بن حسن القنوجي في أبجد العلوم ج3ص194 وما بعدها : ( قال الشيخ الإمام العلامة محمد بن ناصر الحازمي الآخذ عن شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني : وأشهر ما ينكر عليه – مبتدع الوهابية محمد بن عبد الوهاب - خصلتان كبيرتان الأولى : تكفير أهل الأرض بـمجرد تلفيقات لا دليل عليها وقد انصف السيد الفاضل العلامة داود بن سليمان في الرد عليه في ذلك ، الثانية : التجاري على سفك الدم المعصوم بلا حجة ولا إقامة برهان ، وتتبع هذه جزئيات –
إلى قوله - ثم لما تم للشيخ ابن عبد الوهاب ما أراد في تلك القرى المجاورة للدرعية وهي قرية الشيخ عبد العزيز واجتمع على الإسلام معه عصابة قوية صاروا يدعون من حولهم من القرى بالرغبة والرهبة ويقاتلون من حولهم من الأعراب ثم لما تمكن في قلوبـهم الإسلام وهم عرب غنام قرر لهم إن من دعا غير الله أو توسل بنبي أو ملك أو عالم فإنه مشرك شاء أو أبى اعتقد ذلك أم لا وتعدى ذلك إلى تكفير جمهور المسلمين وقد قاتلهم بـهذا الوجه الذي أبداه –
إلى قوله - بعد بلوغها الشيخ الفاضل عبد الرحمن النجدي ووصف لنا من حال ابن عبد الوهاب أشياء أنكر ما عليه من سفك الدماء ونـهبه الأموال وتجاربه على قتل النفوس ولو بالاغتيال وتكفيره الأمة المحمدية في جميع الأقطار ، فبقي معنا تردد فيما نقله الشيخ عبد الرحمن حتى وصل الشيخ مربد وله نباهة ووصل ببعض رسائل ابن عبد الوهاب التي جمعها في وجه تكفير أهل الإيمان وقتلهم ونـهبهم وحقق لنا أحواله وأفعاله وأقواله فرأينا أحواله أحوال رجل عرف من الشريعة شطر ولم يمعن النظر ولا قرأ على من يهديه نهج الهداية وبدله على العلوم النافعة ويفقهه فيها بل طالع بعضا من مؤلفات الشيخ أبي العباس ابن تيمية ومؤلفات تلميذه ابن القيم الجوزية وقلدهما من غير إتقان مع أنـهما يحرمان التقليد –
إلى قوله - ثم وقفت لهذا العهد على كتاب رد المحتار وحاشية الدر المختار للسيد محمد أمين بن عمر المعروف بابن العابدين بمصر حالا وكان في سنة ما لفظه : كما وقع في زماننا في إتباع عبد الوهاب الذي خرجوا من نجد وتغلبوا على الحرمين وكانوا ينتحلون مذهب الحنابلة كلنهم اعتقدوا أنـهم هم المسلمون وإن من خالف اعتقادهم مشركون واستباحوا بذلك قتل أهل السنة وقتل علمائهم حتى كسر الله شوكتهم وخرب بلادهم وظفر بـهم عساكر المسلمين عام ثلث وثلثين مائتين وألف " .
راجع كذلك الخلاصة الكلام لفقيه الشافعية زيني دحلان ، وغيره ممن كتبوا عن الوهابية ....
بعد هذا كله .. فلو لم تقتنع بان الشيعة لا يرون تحريف القران مذهبا .. فلو جاءك من نزل القرآن عليه وقال لك انك على خطأ فلن تقتنع أبدا وستصر على رأيك .. اتمنى ان تقرأ وأن تعلم ان الافكار والمفاهيم ليست هي سؤال وجواب نعم او لا .. فهناك مقدمات وأسس لو لم تكن ملما بها فلن تعرف معنى النعم ولا معنى اللا .. وستختلط عليك الامور .. وترى الحجه ليست حجه والدليل ليس دليلا .. بل والحق ليس حقا .. فبيان الشيء من اهله افضل من اتباع انصاف الافكار والحكم على الطوائف الاسلامية من غيرالرجوع اليها والتبين منها .. فأهل مكة ادرى بشعابها .
والحمد لله رب العالمين
... فليس القائل بتحريف المعنى كمن قال بتحريف اللفظ وليس كمن قال بتحريف الترتيب في السور ونزولها الخ .. ممن يوصفون بانهم يقولون بالتحريف فتكفير الكل من هؤلاء لاقائل به من المذاهب الاسلامية .. فيحتاج فهم التكفير الى بيان سوف الخصه لك بالاتي ..
.... لنناقش الفكرة بشيء من العلمية ، فنبدأ بذكر استدلالات من سار على كفر من قال بتحريف القرآن بلا أي تفريق بين هذه الاقسام بلا عقل ولا رأي منير .. ولا اقصد بذلك جمهور اهل السنة فسوف اعرض في الحديث عن موقف علماء السنة بهذا الخصوص كي تتضح لك الصورة اخي القاريء ..
وبالأثناء نذكر رأي الشيعة في المسألة وبعض الضوابط ، لنرى هل الكفر يصح على مباني الشيعة أيضا أم لا .
ولنعرض عن ذكر استدلالات من كفر الجميع التي تتسم بالأسلوب الخطابي الرتيب وهي للهزل أقرب منها للجد ، ولنعتمد استدلال اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الذي يعتبر عند هؤلاء استدلالا علميا ( هؤلاء يعني الوهابية )، وهي اللجنة التي يرأسها كبير الوهابية ابن باز ، قال :
" ومن قال : إنه غير محفوظ أو دخله شيء من التحريف أو النقص فهو ضال مضل ، يستتاب فإن تاب وإلاّ وجب على وليّ الأمر قتله مرتدا ، لأن قوله يصادم قول الله عز وجل {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر/9). ويصادم إجماع الأمة على حفظه وسلامته " ( 1 ) .( 1 ) المصدر .. فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ج4ص8فتوى6137 ط رئاسة إدارة البحوث .
فهذه الردة وهدر الدم سببها مصادمة الآية ومصادمة إجماع الأمة ، ونحن إرضاء لخاطر الوهابية وتقوية لاستدلالهم نزيد على الوجهين السابقين وجها آخر للتكفير ونرتب لهم المطلب ، فنقول :
من قال بتحريف القرآن لا يخلو الوجه في تكفيره من أحد ثلاثة أسباب :
1- كذّب صريح القرآن وهو قوله تعالى {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر/9). وقوله تعالى {لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}(فصلت/42).
2- خالف ضروريا من ضروريات الدين .
3- خالف أمرا مجمعا عليه .
فنقول لدعاة التكفير : حبا وكرامة ! ، ولكن على فقه من تريدون التكفير من الشيعة ؟! على فقه أهل البيت عليهم السلام أم على فقه شكيب وشكيبة ؟! ، معلوم عند الجميع أن الشيعة لا يقيمون
وزنا لفقه لم يأتـهم من أهل البيت عليهم السلام الذين أنزل الله فيهم {عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا}(الإنسان/21). {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}(الأحزاب/33) ، ومع ذلك سنمن على الوهابية مرة أخرى بذكر كلمات علماء أهل السنة في أثناء البحث المؤيدة لما ذهب له علماء الشيعة .
* مناقشة أسباب التكفير :
السبب الأول : القول بتحريف القرآن يلزم منه تكذيب الله عز وجل فيما أخبر به في كتابه .
ويرد عليه أن المخالفة لكتاب الله عز وجل شيء ، والتكذيب والجحد له شيء آخر ، فالتكذيب بمعنى أن يعلم المكلف بما أخبر الله عز وجل به ولكنه لا يصدقه ولا يقتنع به ، فهذا كفر ، وأما لو أخطأ في فهم ما أخبر به الله عز وجل وصار إلى غيره مع كونه يرجو موافقة كلام الله عز وجل ، فهذا خالف كتاب الله عز وجل لجهله وهذا لا يكفر ، والإخبارية هم من هذا القسم بالنسبة للآيتين ، وهذا لأمرين :
1- عدم حجية الظاهر عندهم .
مر سابقا أن الإخبارية يقولون بعدم حجية ظواهر القرآن لأن القرآن لا يفهمه إلا من خوطب به وهم الرسول وآل بيته صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .
لذا فإن مراد الله عز وجل من الآيتين الكريمتين غير معلوم عندهم ، فلا يصح اتـهامهم بجحد وتكذيب ما أخبر به الله عز وجل ، وهذا يجري على كثير من علماء الإسلام الذين أخطأوا في فهم آية أو حكم من آية ، نحو من يقول بعدم جواز رؤية الله عز وجل يوم القيامة مع ما يخبر به الظاهر الساذج لهذه الآية {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}(القيامة/23-24)
وكذا شبيه قول من يدعي تحقق رؤية المؤمنين له يوم القيمة سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا مع أن الله عز وجل يخبر في المحكم من كتابه أنه لا تدركه الأبصار ، قال تعالى {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير}(الأنعام/103). ويقول {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}(الشورى/11) ، وباتفاق أهل القبلة لا يكفر كلا الطرفين مع أن أحدهما خالف ما أخبر الله به جزما .
2- قالوا بعدم دلالة ظاهر الآيتين على المطلوب .
فالآية الأولى غاية ما تدل عليه أن الله عز وجل تكفل بحفظ القرآن ولكنها ساكتة عن حفظه عند جميع الناس فلعل الله عز وجل لم يقصد بالحفظ حفظه عند كل المسلمين بل أراد حفظه عن سيد المسلمين وإمامهم ، فمن أين استفدنا حفظه عند كل المسلمين من الآية !
والآية الأخرى تدل على منع استعلاء شيء عليه ولا يطرأ طارئ يظهر عليه فيبطل مضمونه ومحتواه من العلوم والمعارف سواء مما سبقه كالتوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الكتب السابقة أو مما يأتي به الناس من علوم ، وليس المقصود أن الباطل في الآية بمعنى حذف الكلمات ونقصها ، ويمكن تقريب هذه الدلالة بلحاظ مرجع الضمير (لا يأتيه الباطل) إذ لا يمكن أن يكون مرجعه إلى هذا المصحف لأنـها نزلت والمصحف لم يفرغ من جمعه بعد ، فلا ريب أن المقصود به –بزعمهم- القرآن في الكتاب المكنون ، فأي تحريف يقع هناك ؟!
لذا الآيتان في نظرهم لا تدلان على المدعى .
السبب الثاني : خالف ما هو معلوم من الدين بالضرورة .
حتى يتضح الحق في هذه الدعوى يجب تقديم مقدمتين :
حتى يتضح الحق في هذه الدعوى يجب تقديم مقدمتين :
المقدمة الأولى : ما هو ضابط كون الشيء معلوما من الدين بالضرورة ؟
المعلوم من الدين بالضرورة هو ما لا يحتاج انتسابه للدين إلى دليل ولا يشك فيه أحد من المسلمين ، فيكون انتسابه للدين بديهيا بين الناس ، كوجوب الحج أو الصلاة في الإسلام ( 1 ) ، لذا ما يتوقف إثباته على الدليل لا يكون ضروريا ومعلوما بالبديهة.
المقدمة الثانية : هل يكفر المسلم بمجرد إنكاره للضروري أم بقيد وشرط ؟
لو أنكر مسلم أمرا معلوما من الدين بالضرورة ، فإن آل إنكاره إلى إنكار الألوهية أو الرسالة فإنه يكفر بلا ريب ، وأما لو لم يرجع إنكاره لإنكار الألوهية والربوبية أو الرسالة كمن طرأت له شبهة أو حصل له لبس أدى بالمنكر إلى تلك النتيجة فإنه لا يكفر .
مثلا لو أنكر مسلم استحباب الصدقة لشبهة طرأت له ولبعض الأدلة ففي هذه الحالة يكون قد أنكر معلوما من الدين بالضرورة ولكن هذا الإنكار لا يستوجب الارتداد والمروق عن الملة ، نعم من قال إن الصدقة غير مستحبة مع إقراره أن الرسول صلى عليه وآله وسلم قال باستحبابـها نقلا عن الله
( 1 ) لاحظ أنا نتكلم عن ضروريات الدين كالاستحباب الصدقة وصيام شهر رمضان وحرمة شرب الخمر ، لا عن أصوله فمن أنكر الألوهية أو التوحيد أو الرسالة أو المعاد يكفر بلا قيد أو شرط .
عز وجل فهذا يكفر لتعنته على أمر الله عز وجل وإنكاره للربوبية ، أما لو أقر بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم جاء به وأنكر كونه جاء به من عند الله عز وجل فهذا يكفر لأنه أنكر ضروريا يؤول إلى إنكار الرسالة ، وأما الحالة الأولى وهي إنكاره أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قال باستحباب الصدقة ونص على استحبابـها لشبهة معينة أو طرو لبس في مقدمات استدلاله في حال كونه مصدقا ومتبعا لأقوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم حال ثبوتـها عنه فإن هذا لا يكفر ولا يرتد .
قال السيد اليزدي رضوان الله تعالى عليه :" والمراد بالكافر من كان منكرا للألوهية أو التوحيد أو الرسالة أو ضروريا من ضروريات الدين مع الالتفات إلى كونه ضروريا بحيث يرجع إنكاره إلى إنكار الرسالة " ( 1 ) .
قال السيد الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه :" الكافر وهو من انتحل غير الإسلام ، أو انتحله وجحد ما يعلم من الدين بالضرورة ، بحيث يرجع جحوده إلى إنكار الرسالة ، أو تكذيب النبي صلى الله عليه وآله ، أو تنقيص شريعته المطهرة ، أو صدر منه ما يقتضي كفره من قول أو فعل " ( 2 ) .
قال السيد الخوئي رضوان الله تعالى عليه : " الكافر وهو من لم ينتحل ديناً أو انتحل ديناً غير الإسلام أو انتحل الإسلام وجحد ما يعلم أنه من الدين الإسلامي بحيث رجع جحده إلى إنكار الرسالة ، نعم ، إنكار المعاد يوجب الكفر مطلقاً " ( 3 ) .
قال الشيخ الآراكي رضوان الله تعالى عليه : " الكافر -أي من أنكر الله أو جعل لله شريكا ، أو لم يعترف بنبوة خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم - نجس . والأحوط وجوبا الاجتناب عن كل منكر لضرورة من ضروريات الدين مثل الصلاة والصوم مما يعتبره المسلمون من أجزاء دين الإسلام إن علم أن ذلك من ضروريات الدين ورجع إنكاره إلى إنكار النبوة " ( 4 ) .
( 1 ) العروة الوثقى ج1ص67 ط دار الإرشاد.
( 2 ) تحرير الوسيلة ج1ص118 ط اسماعيليان . ( 3 ) منهاج الصالحين ج1ص109 .
( 4 ) المسائل الواضحة ج1ص22 ط مكتب الإعلام الإسلامي .
قال السيد عبد الأعلى السبزواري رضوان الله تعالى عليه : " الكافر وهو من انتحل ديناً غير الإسلام وجحد ما يعلم أنه من الدين الإسلامي بحيث رجع إلى إنكار الرسالة أو إنكار المعاد " ( 1 ).
قال السيد محمد الروحاني رضوان الله تعالى عليه : " الكافر وهو من لم ينتحل ديناً أو انتحل ديناً غير الإسلام أو انتحل الإسلام وجحد ما يعلم أنه من الدين الإسلامي ، نعم ، إنكار المعاد يوجب الكفر مطلقاً " ( 2 ) .
قال السيد السيستاني حفظه الله تعالى : "الكافر هو من لم ينتحل دينا ، أو انتحل دينا غير الإسلام ، أو انتحل الإسلام وجحد ما يعلم أنه من الدين الإسلامي بحيث رجع جحده إلى إنكار الرسالة ولو في الجملة بأن يرجع إلى تكذيب النبي صلى الله عليه وآله في بعض ما بلغه عن الله تعالى في العقائد -كالمعاد- أو في غيرها كالأحكام الفرعية ، وأما إذا لم يرجع جحده إلى ذلك بأن كان ذلك بسبب بعده عن محيط المسلمين وجهله بأحكام هذا الدين فلا يحكم بكفره ، وأما الفرق الضالة المنتحلة للإسلام فتختلف الحال فيهم " ( 3 ) .
قال الشيخ الوحيد الخراساني حفظه الله تعالى : " والكافر وهو المنكر لله أو رسالة خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم أو المعاد أو الشاك في الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم أو المشرك بالله أو الشاك في وحدانيته ، نجسٌ ، وكذلك الغلاة – أي القائلين بألوهية أحد الأئمة عليهم السلام أو القائلين بحلول الله تعالى في أحدهم عليهم السلام – والنواصب – وهم أعداء أحد الأئمة عليهم السلام أو أعداء فاطمة الزهراء سلام الله عليها- ، والمنكر لإحدى ضروريات الدين –كالصلاة والصيام- مع علمه بأنـها من ضروريات الدين " ( 4 ) .
قال الميرزا جواد التبريزي حفظه الله تعالى : " الكافر ، والمشهور بين الفقهاء نجاسته مطلقا ، وإن كان من أهل الكتاب ، وهو الأحوط الأولى والأظهر أن الناصب في حكم الكافر وإن كان مظهرا
( 1 ) منهاج الصالحين ج1ص98 ،ط دار الكتاب الإسلامي .
( 2 ) منهاج الصالحين ج1ص27 ط دار الزهراء .
( 3 ) منهاج الصالحين ج1ص139 ط مكتب سماحة السيد في قم المقدسة .
( 4 ) توضيح المسائل ص191 م107 ، الفارسية .
للشهادتين والاعتقاد بالمعاد ، ومن أنكر شيئا من ضروريات الدين ولم تحتمل فيه الشبهة يحكم بكفره ، وكذا من علم إنكاره من فعله كمن استهزأ بالقرآن ، أو أحرقه –والعياذ بالله- متعمدا " ( 1 ) .
قال السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم حفظه الله تعالى :" إنكار الضروري من الدين إن رجع إلى عدم الإقرار به بعد العلم بإنزاله من قِبل الله تعالى ، أو إلى تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تبليغه به بعد العلم بتبليغه له كان موجبا للكفر ، وإن رجع إلى عدم العلم بثبوته في الدين أو بتبليغ النبي صلى الله عليه وآله له ، لم يوجب الكفر كما إذا نشأ من الجهل بتحريمه أو من شبهة اعتقد معها عدم التحريم " ( 2 ) .
وعلى هذا فلو لم يعلم المنكر أن ما أنكره جزء من الدين بل نفي كونه منه لشبهة ولبس ، مع إيمانه في قرارة نفسه أنْ لو ثبت عنده مجيء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما أنكره لاتبعه ولأخذ به بكل انقياد وتسليم فإن إنكاره – في هذه الحالة - لا يؤول إلى إنكار الألوهية أو الرسالة أو تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم والعياذ بالله ، فلا يحكم بكفره ، وبعبارة مختصرة إن منكر الضروري لا يكفر إلا برجوع إنكاره إلى إنكار الألوهية أو الرسالة أو تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وبعد ما قدمنا يتضح أن دعوى تكفير من قال بتحريف القرآن لإنكاره ضروريا كلام ساقط من رأس وجرأة على الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، لأمرين :
1- لم يثبت أن من ضروريات الدين الاعتقاد باحتواء مصحفنا لكل كلمات القرآن التي نزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
فلو سئل أهل الإسلام في بقاع الأرض عما إذا كان هذا المصحف الذي في بيوتنا اليوم قد اشتمل على كل كلمة وحرف نزل من السماء قبل أكثر من أربعة عشر قرنا ولم تخف كلمة أو حرف عمن جمعه أو لم يتلاعب به أحد من بعدهم ، فلا يعد الجواب على هذا السؤال بديهيا لا يشك فيه ، وليس هو كبداهة سؤال المسلم لأخيه عما إذا كانت الصلاة واجبة في الإسلام ، ولذا عندما يتطرق علماء الشيعة وأهل السنة لإثبات صيانة القرآن من التحريف يعتمدون الدليل لإثبات مدعاهم كآية الحفظ {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر/9) ، فاستدلالهم هذا على عدم وقوع التحريف في القرآن يناقض كونه من بديهيات الدين التي لا يحتاج لإقامة الدليل .
( 1 ) المسائل المنتخبة ص66، ط الفقيه . ( 2 ) منهاج الصالحين ج1ص127م400 ط دار الصفوة .
قال في الفقه المقارن : " والقول بعدم التحريف لم يثبت أنه دين بالضرورة وإلاّ لما احتاج إلى الاستدلال عليه بآية {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر/9) وما يحتاج إلى الاستدلال لا يكون من الضروريات " ( 1 ) .
2- من قال بتحريف القرآن فإن قوله لا يؤول إلى إنكار الألوهية أو الرسالة أو تكذيب النبي صلى الله عليه وآله سلم.
فقد مر سابقا أن من قال بالتحريف لا يرى أن الله عز وجل تكفل بحفظ القرآن في مصاحف المسلمين ، لأن الآيتين في نظره لا تدلان عليه فضلا عن قبوله لحجية ظاهريهما ، ولا يرى أن النبي صلى الله عليه وآله سلم قد أخبر بحفظ القرآن في مصاحف المسلمين بل على العكس هو يرى أن الرسول وأهل بيته صلى الله عليهم أجمعين صرحوا بأن التحريف وقع فيه وأنه بُدل وتلاعبوا به .
ويتضح على هذا أن تفسيرهم لظاهر الآيتين الكريمين ومحاولتهم تفادي معارضة الآيتين لما صاروا إليه من القول بالتحريف وكذا تأويلهم وإيجادهم المخارج لحديث الثقلين ولروايات عرض الحديث على القرآن ، كل هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن هؤلاء القوم متبعون لأمر الله ونـهيه ، يتجنبون معارضة قوله ، وكذا مقتفون لسنة رسوله وما أخبر به صلى الله عليه وآله وسلم لذا ذكروا الوجوه لحديث الثقلين وأحاديث العرض حتى لا يتورطوا في معارضة كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنكارهم لصيانة القرآن من التحريف – لو سلمنا جدلا أنه من الضروريات - لا يؤول إلى إنكار الألوهية أو إنكار الرسالة كالتعنت على أمر المولى أو أمر رسوله صلى الله عليه وآله سلم ولا يؤول إلى تكذيب النبي صلى الله عليه وآله سلم ، وكل هذا مانع من التكفير جزما وقطعا ، مع التسليم بأن هذا الأمر من ضروريات الدين .
السبب الثالث : خالف ما هو مجمع عليه .
* ملاحظة : قبل مناقشة هذا سبب التكفير هذا ، يلزم التنبيه على نقطة وهي أن بعض أهل السنة يستدل بالإجماع على صيانة القرآن من التحريف وهذا استدلال فاسد لأنه استدلال دوري ، فحجية الإجماع عند أهل السنة ترجع إلى ما رووه أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال : لا تجتمع أمتي على ضلالة. وهذا
( 1 ) الأصول العامة للفقه المقارن ص 109 للسيد محمد تقي الحكيم رحمه الله ط . دار الأندلس .
لكلام حجيته نابعة من صدوره عن شخص مرسل من قِبل الله عز وجل ، والدليل على رسالته هو إعجاز القرآن ، وإعجازه لا يعتمد عليه إلا بعد الفراغ من أن القرآن سليم من الدس والنقصان لأن كل آية نضع يدنا عليها نحتمل أن بعض كلماتـها سقطت أو دست في الآية ، لذا أصبح عدم تحريف القرآن معتمد على الإجماع ، والإجماع معتمد على رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والرسالة معتمدة على إعجاز القرآن ، وإعجازه معتمد على سلامته من التحريف ! فسلامة القرآن من التحريف تعتمد على سلامته من التحريف ، لذا لا يصح استدلال أهل السنة بالإجماع –إن تم - على سلامة القرآن من التحريف .
أما كون سلامة القرآن من التحريف أمرا مجمعا عليه لذا يكفر من خالفه ، فهذا السبب للتكفير أسخف من سابقيه ، لأمور :
1- هذه الدعوى فيها إلزام للشيعة بتكفير بعض علمائهم لأن عدم التحريف أمر مجمع عليه عند أهل السنة !!
2- دعوى الإجماع على صيانة القرآن من التحريف لم تتحقق عند أهل السنة فضلا عن الشيعة ، وسيأتي ذكر كلمات من قال من علماء أهل السنة بتحريف القرآن .
3- الإجماع ليس دليلا عند الشيعة في قبال الأدلة الأخرى وإنما هو مجرد كاشف عن الدليل ، فلا تكون معارضته معارضة للدليل الشرعي بل معارضة للطريق ، لذا المنكر قد ينكر كاشفية الطريق لا ما يكشف عنه .
ولنذكر هنا كلمات علماء أهل السنة الناصة على أن منكر المجمع عليه لا يكفر إلا في حال علمه أن ما أنكره قد صدر من الشارع لمآله إلى إنكار الرسالة ، وهو عين ما يدعيه علماء الشيعة ، فقد يتحقق الإجماع على شيء ولكن المنكر لا يثق بالصدور من إجماعهم لأدلة أخرى أو لشبهة طرأت له ، فلا يكفر لاشتباهه ، وعليه جمهور علماء الإسلام ، ومع ذلك تريد الوهابية أن تتبع الشيعة أمزجتهم
بعد هذا البيان قد عرفت ان الشيعة يكفرون من يرى التحريف ولكن بشروط وظوابط اعلاه .. فلا يمكن ان نكفر المسلمين على الظن كما يفعل اتباع التيار اللا اسلامي المتشدد الذي شوه صورة الاسلام في العالم بتحليه دم الكافر الكتابي وغيره المحارب وغيره والمسلم وغيره والسني وغيره ..
كلمات علماء أهل السنة في أن خارق الإجماع لا يكفر
وقال إمام الحرمين الجويني في البرهان في أصول الفقه : " فشا في لسان الفقهاء أن خارق الإجماع يكفر وهذا باطل قطعا فإن من ينكر أصل الإجماع لا يكفر والقول في التكفير والتبرؤ ليس بالـهين
ولنا فيه مجموع فليتأمله طالبه ، نعم من اعترف بالإجماع وأقر بصدق المجمعين في النقل ثم أنكر ما أجمعوا عليه كان هذا التكذيب آيلا إلى الشارع عليه السلام ومن كذب الشارع كفر والقول الضابط فيه أن من أنكر طريقا في ثبوت الشرع لم يكفر ومن اعترف بكون الشيء من الشرع ثم أنكره كان منكرا للشرع وإنكار جزئه كإنكار كله ( 1 ) " ( 2 ) .
وقال للحلبي الحنفي في التقرير : " ولـهذا قال الشيخ صفي الدين الهندي في النهاية جاحد الحكم المجمع عليه من حيث إنه مجمع عليه بإجماع قطعي لا يكفر عند الجماهير خلافا لبعض الفقهاء وإنما قيدنا بالإجماع القطعي لأن جاحد حكم الإجماع الظني لا يكفر وفاقا " ( 3 ) .
وقال أيضا : " غير أن إنكار القطعي إنما يكفر منكره إذا كان ذلك القطعي ضرورياً من ضروريات الدين كما هو قول غير واحد (ومن لم يشرطه) أي الضروري في القطعي المكفر بإنكاره كالحنفية إنما يكفر منكره إذا لم يثبت فيه شبهة قوية . (فلذا) أي اشتراط انتفاء الشبهة في القطعي المنكر ثبوتاً وانتفاء (لم يتكافروا) أي لم يكفر أحد من المخالفين الآخر في التسمية لوجود الشبهة لتقويه في كل طرف لقوة دليله فإنه عذر واضح في عدم التكفير لأنه يدل على أنه غير مكابر للحق ولا قاصد إنكار ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وأن ذلك أخرجه من حد الوضوح إلى حد الإشكال " ( 4 ) .
قال العلامة الزركشي في المنثور : " أطلق كثير من أئمتنا القول بتكفير جاحد المجمع عليه ، قال النووي : وليس على إطلاقه بل من جحد مجمعا عليه فيه نص وهو من أمور الإسلام الظاهرة التي يشترك في معرفتها الخواص والعوام كالصلاة والزكاة ونحوه فهو كافر ومن جحد مجمعا عليه لا يعرفه إلا الخواص كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب وغيره من الحوادث المجمع عليها فليس بكافر ( 5 ) ، قال ومن جحد مجمعا عليه ظاهرا لا نص فيه ففي الحكم بتكفيره خلاف ونقل الرافعي
( 1 ) وهو عين ما قاله فقهاء الشيعة سابقا ، لأن كل ما يؤول إلى تكذيب الشرع والنبي صلى الله عليه وآله وسلم هو من الكفر ، وواضح أن من قال بوقوع تحريف في القرآن لا يرى أن عدم التحريف جاء الشرع به ، بل العكس ! يدعي أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد أخبر بوقوع التحريف في هذه الأمة كما حدث في الأمم السابقة بما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم : ( لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر …).
( 2 ) البرهان في أصول الفقه للجويني ج1ص462مسألة673.
( 3 ) التقرير والتحبير ج3ص151-152.
( 4 ) ن.م ج2ص286 .
( 5 ) لاحظ تعليق الحكم بالكفر على ثبوت علم المنكر بأن ما أنكره من ضروريات الإسلام .
في باب حد الخمر عن الإمام أنه لم يستحسن إطلاق القول بتكفير مستحل الإجماع وقال : كيف نكفر من خالف الإجماع ونحن لا نكفر من رد أصل الإجماع وإنما نبدعه ونضلله وأول ما ذكره الأصحاب على ما إذا صدق المجمعين على إن التحريم ثابت في الشرع ثم حلله فانه يكون ردا للشرع ".
" وقال ابن دقيق العيد أطلق بعضهم أن مخالف الإجماع يكفر ، والحق أن المسائل الإجماعية تارة يصحبها التواتر عن صاحب الشرع كوجوب الخمس وقد لا يصحبها فالأول يكفر جاحده لمخالفته التواتر لا لمخالفته الإجماع " ( 1 ) .
وذكر قول أبي حامد الغزالي : " وقد وقع التكفير لطوائف من المسلمين يكفر بعضها بعضا فالأشعري يكفر المعتزلي زاعما أنه كذب الرسول في رؤية الله تعالى وفي إثبات العلم والقدرة والصفات وفي القول بخلق القران والمعتزلي يكفر الأشعري زاعما أنه كذب الرسول في التوحيد فان إثبات الصفات يستلزم تعدد القدماء ، قال : والسبب في هذه الورطة الجهل بموقع التكذيب والتصديق ووجهه أن كل من نزل قولا من أقوال الشرع على شيء من الدرجات العقلية التي لا تحقق نقضا فهو من التعبد وإنما الكذب أن ننفي جميع هذه المعاني ويزعم أن ما قاله لا معنى له وإنما هو كذب محض وذلك هو الكفر المحض ولـهذا لا يكفر المبتدع المتأول ما دام ملازما لقانون التأويل لقيام البرهان عنده على استحالة الظواهر ( 2 ) " ( 3 ) .
وقال الزركشي في موضع آخر : " وعلى هذا فلا يسوغ لكل فريق تكفير خصمه بمجرد ظنه أنه غالط في البرهان نعم يجوز أن نسميه ضالا لأنه ضل عن الطريق أو مبتدعا لأنه ابتدع أقوالا لم يقلها السلف " ( 4 ) .
وثم ذكر قول الإمام القشيري ": وعبر بعض الأصوليين عن هذا بما معناه أن من أنكر طريق إثبات الشرع لم يكفر كمن أنكر الإجماع ومن أنكر الشرع بعد الاعتراف بطريقة كفر لأنه مكذب " ( 5 ) .
وقال ابن تيمية في المسودة :" مسألة من خالف حكما مجمعا عليه فهل يكفر بذلك قال ابن حامد وغيره انه يكفر ومرد ذلك أن يكفر من جوز كون الإجماع يقع خطأه ، وذكر كثير من( 1 ) فمخالفة المجمع عليه لا كفر فيها وإنما الكفر يلحق من قَطع بصدور الأمر المجمع عليه ، وهذا عين ما يدعيه الشيعة .
( 2 ) وهذا الضابط ينطبق على من يرى أن الآية الكريمة {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر/9) لا تدل على حفظ القرآن عند جميع الناس بل يكفي لتحقق مدلول الآية حفظ القرآن عند إمام الناس .
( 3 ) المنثور في القواعد لأبي عبد الله الزركشي ج3ص86-87.
( 4 ) ن.م ج3ص90.
( 5 ) ن.م ج3ص92 ، وهذا هو الضابط الذي ذكره الشيعة سابقا .
الطوائف من أصحابنا وغيرهم منهم القاضي في ضمن مسألة انعقاد الإجماع عن قياس : أنه يضلل ويفسق وهو مقتضى قول كل من قال إن الإجماع حجة قاطعة وهم جماهير الخلائق وقال بعض المتكلمين أنه حجة ظنية فعلى هذا لا يكفر ولا يفسق " ( 1 ) .
وننقل كلام شيخ الوهابية ابن تيمية بتمامه لعله يجد مكانا في قلوب أذنابه : " كلما رأوهم قالوا : من قال كذا فهو كافر . اعتقد المستمع–كالوهابية- أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله ، ولم يتدبروا إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين وان تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع ، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بـهذا الكلام بعينه ( 2 )
فإن الإمام أحمد مثلا قد باشر الجهمية الذين دعوه إلى خلق القرآن ونفي الصفات وامتحنوه وسائر علماء وقته وفتنوا المؤمنين والمؤمنات الذين لم يوافقوهم على التجهم بالضرب والحبس والقتل والعزل عن الولايات وقطع الأرزاق ورد الشهادة وترك تخليصهم من أيدي العدو بحيث كان كثير من أولي الأمر إذ ذاك من الجهمية من الولاة والقضاة وغيرهم يكفرون كل من لم يكن جهميا موافقا لهم على نفي الصفات مثل القول بخلق القرآن ويحكمون فيه بحكمهم في الكافر ، فلا يولونه ولاية ، ولا يفكونه من عدو ، ولا يعطونه شيئا من بيت المال ، ولا يقبلون له شهادة ، ولا فتيا ولا رواية ، ويمتحنون الناس عند الولاية والشهادة والافتكاك من الأسر وغير ذلك ، فمن أقر بخلق القرآن حكموا له بالإيمان ومن لم يقر به لم يحكموا له بحكم أهل الإيمان ، ومن كان داعيا إلى غير التجهم قتلوه أو ضربوه وحبسوه ، ومعلوم إن هذا من أغلظ التجهم فإن الدعاء إلى المقالة أعظم من قولها ، وإثابة قائلها وعقوبة تاركها أعظم من مجرد الدعاء إليها والعقوبة بالقتل لقائلها أعظم من العقوبة بالضرب ، ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه واستغفر لهم وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع ، وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنـهم لم يكفروا المعينين من الجهمية الذين كانوا يقولون القرآن مخلوق وان الله لا يرى في الآخرة " ( 3 )
( 1 ) المسودة لعبد السلام وعبد الحليم وأحمد بن تيمية ج1ص308.
( 2 ) ولكن الوهابية يقولون للشيعة : كفروا فلانا ! ، نعم نكفرهم على دين الوهابية أما على دين الله عز وجل فلا .
( 3 ) وقال أيضا ج12ص498: ( والأصل الثاني إن التكفير العام كالوعيد العام يجب القول بإطلاقه وعمومه وأما الحكم على المعين بأنه كافر أو مشهود له بالنار فهذا يقف على الدليل المعين فإن الحكم يقف على ثبوت شروطه وانتفاء موانعه )
أقول : الوهابية علاوة على مخالفتهم لأئمتهم في تعميم الكفر على المشتبه الذي لم يقم عنده دليل على شرعية ما أنكره فقد تجاوز أمرهم واستفحل حتى كفروا المعين من العلماء ، بل كفروا بعض علماء أهل السنة بأسمائهم كأحد المشهورين في زماننا فقط لأنه طعن في نتائج انتخابات الرؤساء التي تصل إلى 99.9% ، فقال : لو انتخب الله عز وجل بعظمته رئيسا لأهل الأرض لـما وافق أهلها عليه بـهذه النتيجة ، فأطلق أحد مشايخ الوهابية حكمه فقال : إن لم يرجع فهو كافر
" والدليل على هذا الأصل الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار أما الكتاب فقوله سبحانه وتعالى {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ}(الأحزاب/5). وقوله {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}(البقرة/286).
وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي أن الله تعالى قال : قد فعلت لما دعا النبي والمؤمنون بـهذا الدعاء
وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس أن النبي قال : أعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش ، وأنه لم يقرأ بحرف منها إلا أعطيه .
وإذا ثبت بالكتاب المفسر بالسنة أن الله قد غفر لهذه الأمة الخطأ والنسيان ، فهذا عام عموما محفوظا ، وليس في الدلالة الشرعية ما يوجب أن الله يعذب من هذه الأمة مخطئا على خطئه ، وان عذب المخطئ من غير هذه الأمة ، وأيضا قد ثبت في الصحيح من حديث أبى هريرة أن رسول الله قال : إن رجلا لم يعمل خيرا قط ، فقال لأهله : إذا مات فأحرقوه ثم أذرووا نصفه في البر ونصفه في البحر ، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين فلما مات الرجل فعلوا به كما أمرهم ، فأمر الله البر فجمع ما فيه ، وأمر البحر فجمع ما فيه فإذا هو قائم بين يديه ، ثم قال :لم فعلت هذا ؟ قال : من خشيتك يا رب ، وأنت أعلم . فغفر الله له.
وهذا الحديث متواتر عن النبي ، رواه أصحاب الحديث والأسانيد من حديث أبي سعيد وحذيفة وعقبة بن عمرو وغيرهم عن النبي من وجوه متعددة يعلم أهل الحديث أنـها تفيدهم العلم اليقيني وإن لم يحصل ذلك لغيرهم ممن لم يشركهم في أسباب العلم ، فهذا الرجل كان قد وقع له الشك والجهل في قدرة الله تعالى على إعادة ابن آدم بعد ما أحرق وذرى ، وعلى أنه يعيد الميت ويحشره إذا فعل به ذلك ، وهذان أصلان عظيمان ، أحدهما متعلق بالله تعالى وهو الإيمان بأنه على كل شيء قدير ، والثاني متعلق باليوم الآخر وهو الإيمان بأن الله يعيد هذا الميت ويجزيه على أعماله ، ومع هذا فلما كان مؤمنا بالله في الجملة ومؤمنا باليوم الآخر في الجملة ، وهو أن الله يثيب ويعاقب بعد الموت وقد عمل عملا صالحا ، وهو خوفه من الله أن يعاقبه على ذنوبه غفر الله له بما كان منه من الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح " ( 1 ) .
ومن كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه : " ومنهم من قال : المسائل الأصولية هي ما كان عليها دليل قطعي والفرعية ما ليس عليها دليل قطعي . قال أولئك : وهذا الفرق خطأ أيضا فان كثيرا من المسائل العملية عليها أدلة قطعية عند من عرفها وغيرهم لم يعرفها وفيها ما هو قطعي بالإجماع
( 1 ) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في التفسير ج12ص487-493.
كتحريم المحرمات ووجوب الواجبات الظاهرة ، ثم لو أنكرها الرجل بجهل وتأويل لم يكفر حتى تقام عليه الحجة ، كما أن جماعة استحلوا شرب الخمر على عهد عمر منهم قدامة ورأوا أنـها حلال لهم ولم تكفرهم الصحابة حتى بينوا لهم خطأهم فتابوا ورجعوا ، وقد كان على عهد النبي طائفة أكلوا بعد طلوع الفجر حتى تبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولم يؤثمهم النبي صلى الله عليه وسلم فضلا عن تكفيرهم وخطؤهم قطعي ، وكذلك أسامة بن زيد قد قتل الرجل المسلم وكان خطؤه قطعيا ، وكذلك الذين وجدوا رجلا في غنم له ، فقال : إني مسلم ! فقتلوه ، وأخذوا ماله كان خطؤهم قطعيا ، وكذلك خالد بن الوليد قتل بني جذيمة وأخذ أموالهم كان مخطئا قطعا ، وكذلك الذين تيمموا إلى الآباط وعمار الذي تمعك فى التراب للجنابة كما تمعك الدابة ، بل والذين أصابتهم جنابة فلم يتيمموا ولم يصلوا كانوا مخطئين قطعا ".
" وأهل السنة لا يبتدعون قولا ولا يكفرون من اجتهد فاخطأ وإن كان مخالفا لهم مستحلا لدمائهم ، كما لم تكفر الصحابة الخوارج مع تكفيرهم لعثمان وعلي ومن والاهما واستحلالـهم لدماء المسلمين المخالفين لهم ".
وقال ابن تيمية أيضا : " وهذا من أقوال القدرية والمعتزلة وغيرهم التي خالفوا بـها الكتاب والسنة وإجماع السلف والعقل الصريح كما بسط في موضعه " ( 1 ) ، أقول : ومع ذلك لم يكفر ابن تيمية المعتزلة .
كلمات علماء أهل السنة في عدم كفر من أنكر سور وآيات القرآن باجتهاد منه .
مرت كلمات علماء السنة في عدم تكفير من قال قولا اشتبه فيه ولو كان قوله كفرا في نفسه ، وهنا نذكر كلمات علماء السنة في عدم تكفير من اجتهد فأنكر آيات من القرآن أو ادعى نقصانه مشتبها :
وقال العلامة ابن نجيم الحنفي في البحر الرائق : " أنـها – البسملة - من الفاتحة ومن كل سورة ونسب إلى الشافعي ووجه الأصح إجماعهم على كتابتها مع الأمر بتجريد المصحف وقد تواترت فيه وهو دليل تواتر كونـها قرآنا وبه اندفعت الشبهة للاختلاف وإنما لم يحكم بكفر منكرها لأن إنكار القطعي لا يوجب الكفر إلا إذا لم يثبت فيه شبهة قوية فإن ثبتت فلا كما في البسملة " ( 2 ) .
( 2 ) البحر الرائق ج1ص330-331.
وقال أيضا : " ويكفر إذا أنكر آية من القرآن أو سخر بآية منه إلا المعوذتين ففي إنكارهما اختلاف والصحيح كفره ، وقيل لا ، وقيل إن كان عاميا يكفر وإن كان عالما لا " ( 1 ) .
وكلامه واضح في وجود اختلاف بين الفقهاء في كفر من أنكر قرآنية هاتين السورتين ، وواضح أن سبب قول بعض فقهائهم أن العالم لا يكفر إن أنكرهما بخلاف العامي ، لأن العالم يطلع على الروايات التي وردت في المعوذتين وموقف ابن مسعود من إنكارهما فتنشأ عنده شبهة في كونـهما من القرآن أم لا ، لذلك لا يكفر ، بخلاف العامي الذي لا مكان للاشتباه عنده ، وهذه هي القاعدة التي يقولها الشيعة .
وكذا نقل لنا الإمام البروسوي قول الإمام ابن عوض الحنفي وغيره من العلماء في عدم تكفير من أنكر المعوذتين لنفس السبب الذي ذكرناه سابقا وهو حصول الشبهة لدى المنكر سببها إنكار ابن مسعود لهما ، قال :
" وفي نصاب الاحتساب ( 2 ) : لو أنكر آية من القرآن سوى المعوذتين يكفر ، انتهى " ( 3 ) .
" وفي الأكمل عن سفيان بن سختان قال : من قال إن المعوذتين ليستا من القرآن لم يكفر لتأويل ابن مسعود رضي الله عنه كما في المغرب للمطرزي .
وقال في هدية المهديين : وفي إنكار قرآنية المعوذتين اختلاف المشايخ والصحيح أنه كفر ، انتهى" ( 4 ) .
وقال القاضي أبو بكر الباقلاني :" فإن قيل : إذا قلتم أنـها –البسملة- ليست بقرآن هل تكفّرون من قال إنـها قرآنا كما تكفّرون من جعل " قفا نبك " قرآن ؟ قيل : هذا يلزم على قول من يكفر من قال إنـها ليست منه ، وهذا ليس بصحيح ولا مرضي ، بل كل من أثبتها آية من القرآن مخطئ ذاهب عن الحق ولم يجب تكفيره لأن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم أمر بكتابتها في فواتح السور ، وجهر بـها تارة ، فوجب تخطـئـته لأجل تركه تأمل حال عادته صلى الله عليه (وآله) وسلم في إلقاء القرآن ، وأنه يلقيه إلقاء شائعا ذائعا ، فكان مخطئا في هذا الوجه متأولاً ضربا
( 1 ) ن.م ج5ص131.
( 2 ) راجع كشف الظنون للقسطنطيني الحنفي ج2ص1953 ، إنكار ابن مسعود للمعوذتين سيأتي الكلام عنه بإذنه تعالى .
( 3 ) روح البيان ج10ص546 ط دار إحياء التراث .
( 4 ) ن.م ص546
أقول : هذه المصنفات لعلماء من أهل السنة قد أغفلها الدهر ، فيتضح أن الاقتصار على المصنفات الموجودة بين أيدينا للحكم بخلو فرقة ما من رأي معين أمر غير صحيح .
من التأويل لا يُصيّره بمثابة من ألحق بالقرآن ما علم ضرورة من أنّ الرسول صلى الله عليه (وآله) وسلم قال قولا ظاهرا إنـها ليست من القرآن وأشاع ذلك إشاعة تكفّر من ردّها " ( 1 ) .
وقال العلامة محي الدين النووي في المجموع :" وأجمعت الأمة على أنه لا يكفر من أثبتها –البسملة- ولا من نفاها لاختلاف العلماء فيها ، بخلاف ما لو نفى حرفاً مجمعاً عليه أو أثبت ما لم يقل به أحد ، فإنه يكفر بالإجماع " ( 2 ).
أقول : إن كان تضارب روايات البسملة عندهم كفيلة في تحقق الشبهة المانعة من التكفير فلا ريب في تحققها عند بعض الإخبارية الذين صححوا كثيرا من الروايات التي تدل على نقصان بعض الكلمات من القرآن .
وهذا ما ذكره البيهقي في سننه الكبرى : " قالوا والذي روينا عن الشافعي وغيره من الأئمة من تكفيـر هؤلاء المبتدعة فإنـما أرادوا به كفرا دون كفر هو كما قال الله عز وجل {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ}(المائدة/44) ، قال ابن عباس : إنه ليس بالكفر الذي تذهبون إليه إنه ليس بكفر ينقل عن ملة ولكن كفر دون كفر .
قال الشيخ رحمه الله : فكأنـهم أرادوا بتكفيرهم ما ذهبوا إليه من نفي هذه الصفات التي أثبتها الله تعالى لنفسه وجحودهم لها بتأويل بعيد مع اعتقادهم إثبات ما أثبت الله تعالى فعدلوا عن الظاهر بتأويل فلم يخرجوا به عن الملة وإن كان التأويل خطأ كما لم يخرج من أنكر إثبات المعوذتين في المصاحف كسائر السور من الملة لـما ذهب إليه من الشبهة وإن كانت عند غيره خطأ " ( 3 ) .
وكلامه الأخير نص صريح ولا يحتاج إلى تعليق .
حتى أن شيخ الوهابية ابن تيمية نص على عدم تكفير من أنكر قرآنا ثابتا لاشتباهه ولعدم قيام الدليل لدى المنكر كتواتر قرآنية السورة والآية ، وحال هذا المنكر للقرآن في عدم تكفيره عند ابن تيمية حال بعض الصحابة والتابعين الذين أنكروا بعض نصوص القرآن الثابتة بالتواتر لعدم قيام الحجة لديهم ، ونقدم أولا كلامه عن عدم تكفير من اشتبه وادعى أن بعض ما في القرآن ليس من كلام الله عز وجل :
( 1 ) نكت الانتصار لنقل القرآن ص79 .
( 2 ) المجموع ج3ص281 ، إعانة الطالبين ج1ص139، عون المعبود ج2ص353، نيل الأوطار للشوكاني ج2ص208 ط الحلبي الثانية ، أقول : قول النووي الأخير ستأتي مناقشته بإذنه تعالى .
( 3 ) سنن البيهقي الكبرى ج10ص207ح20688.
" ولا ريب أن من قال إن أصوات العباد قديمة فهو مفتر مبتدع له حكم أمثاله كما إن من قال أن هذا القرآن ليس هو كلام الله فهو مفتر مبتدع له حكم أمثاله ومن قال إن القرآن العربي ليس هو كلام الله بل بعضه كلام الله وبعضه ليس كلام الله مفتر مبتدع له حكم أمثاله ( 1 ) ، ومن قال إن معنى آية الكرسي وآية الدين و قل هو الله أحد و تبت يدا أبى لهب معنى واحد فهو مفتر مبتدع له حكم أمثاله ، وأما التكفير فالصواب أنه من اجتهد من أمة محمد وقصد الحق فأخطأ لم يكفر ، بل يغفر له خطأه ، ومن تبين له ما جاء به الرسول فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين فهو كافر " ( 2 ) .
" فالتكفير يختلف بحسب اختلاف حال الشخص ، فليس كل مخطئ ولا مبتدع ولا جاهل ولا ضال يكون كافرا ، بل ولا فاسقا بل ولا عاصيا ، لا سيما في مثل مسألة القرآن ، وقد غلط فيها خلق من أئمة الطوائف المعروفين عند الناس بالعلم والدين ، وغالبهم يقصد وجها من الحق فيتبعه ويعزب عنه وجه آخر لا يحققه ، فيبقى عارفا ببعض الحق جاهلا بعضه بل منكرا له" ( 3 ) .
وأفصح ابن تيمية عما في صدره حينما استدل على عدم جواز تكفير من أنكر نصوص القرآن الثابتة التي نقرؤها في صلاتنا ، لشبهة عرضت له أو لعدم ثبوتـها عنده بالتواتر ، قال :
" وأيضا فإن السلف أخطأ كثير منهم في كثير من هذه المسائل ، واتفقوا على عدم التكفير بذلك ، مثل ما أنكر بعض الصحابة أن يكون الميت يسمع نداء الحي و أنكر بعضهم أن يكون المعراج يقظة وأنكر بعضهم رؤية محمد ربه ولبعضهم في الخلافة والتفضيل كلام معروف ، وكذلك لبعضهم في قتال بعض ولعن بعض وإطلاق تكفير بعض أقوال معروفة ، وكان القاضي شريح يذكر قراءة من قرأ ( بل عجبتَ ) ويقول : إن الله لا يعجب ، فبلغ ذلك إبراهيم النخعي فقال : إنما شريح شاعر يعجبه علمه ، وكان عبد الله أفقه منه ، فكان يقول ( بل عجبتُ ) فهذا قد أنكر قراءة ثابتة ، وأنكر صفة دل عليها الكتاب والسنّة ، واتفقت الأمة على أنه إمام من الأئمة ، وكذلك بعض السلف أنكر بعضهم حروف القرآن ( 4 ) ، من إنكار بعضهم قوله {أَفَلَمْ يَيْئَسْ الَّذِينَ آمَنُوا}(الرعد/31). وقال ( 5 ) : إنـما هي ( أولم يتبين الذين آمنوا ) ، وأنكر الآخر قراءة قوله {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ}(الإسراء/23).
( 1 ) فها هو ابن تيمية لم يكفر من ادعى التحريف بل بدعه وضلله فقط .
( 2 ) لاحظ تعليق الكفر على علم المنكر بصدور ما أنكره من الشرع .
( 3 ) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في التفسير ج12ص179-180.
( 4 ) وهذا اعترف صريح منه بإنكار السلف بعض أحرف من القرآن .
( 5 ) وسيأتي بيان أن هذا المنكر هو حبر الأمة ابن عباس .
وقال ( 1 ) : إنـما هي : ( ووصى ربك ) ، وبعضهم ( 2 ) كان حذف المعوذتين ، آخر ( 3 ) يكتب سورة القنوت .
وهذا خطأ معلوم بالإجماع والنقل المتواتر ( 4 ) ، ومع هذا فلم يكن قد تواتر النقل عندهم بذلك لم يكفروا ، وإن كان يكفر بذلك من قامت عليه الحجة بالنقل المتواتر ( 5 ) " ( 6 ) .
وإلى هنا يتضح ما أرادته الوهابية من الشيعة ، يريدون من الشيعة تكفير بعض علمائهم سفاهة وعلى دين الوهابية! ( 7 ) ، لا على مذهب أهل السنة ولا على مذهب شيخهم ابن تيمية ، فضلا عن مذهب أهل البيت الذي تدين به الشيعة ! ، ولا أزيدك علما أن الوهابية يستمزجون التكفير ويستهوونه وإن كانت رعونتهم في إطلاق كلمة الكفر مخالفة لنفس المذهب الذي ينتسبون له !
( 1 ) قصد الضحاك بن مزاحم كما سيأتي بإذنه تعالى .
( 2 ) قصد عالم القرآن عبد الله بن مسعود كما سيأتي بإذنه تعالى.
( 3 ) قصد سيد القراء أبي بن كعب كما سيأتي بإذنه تعالى .
( 4 ) فمع اعتراف ابن تيمية بإنكار سلفه الصالح لما هو موجود في مصاحفنا من القرآن نجده يقول أن هذا من الخطأ ، وهذا بعينه ما نقمته الوهابية على الشيعة عندما قالوا بخطأ من قال منهم بتحريف القرآن ، مع أن شيخ إسلامهم ابن تيمية يقولها ، ولا من نكير ! ناهيك عن أن إنكار هؤلاء السلف للقرآن أشنع وأفظع لأنـهم أنكروا الموجود وأضافوا غيره أي هو تحريف بالنقص وزيادة بخلاف بعض الشيعة الذين قالوا أنه نقص منه فقط ، وعلى أي حال فالشيعة على مر الزمن يُستضعفون بالباطل .
( 5 ) وأوضح منه من ادعى سقوط شيء من القرآن ويرى أن وقوع التحريف في القرآن قد جاء به الشرع وتواترت فيه الأخبار ، ولا معنى لأن يثبت عندهم بالتواتر عدم كونـها من القرآن ، فهي من باب السالبة بانتفاء الموضوع .
( 6 ) مجموع فتاوى ابن تيمية ج12ص492 مطابع الرياض ط الأولى 1382ه .
( 7 ) ولا غرابة في ذلك فقد قامت الوهابية على أكتاف التكفير وسفك الدماء ، قال صديق بن حسن القنوجي في أبجد العلوم ج3ص194 وما بعدها : ( قال الشيخ الإمام العلامة محمد بن ناصر الحازمي الآخذ عن شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني : وأشهر ما ينكر عليه – مبتدع الوهابية محمد بن عبد الوهاب - خصلتان كبيرتان الأولى : تكفير أهل الأرض بـمجرد تلفيقات لا دليل عليها وقد انصف السيد الفاضل العلامة داود بن سليمان في الرد عليه في ذلك ، الثانية : التجاري على سفك الدم المعصوم بلا حجة ولا إقامة برهان ، وتتبع هذه جزئيات –
إلى قوله - ثم لما تم للشيخ ابن عبد الوهاب ما أراد في تلك القرى المجاورة للدرعية وهي قرية الشيخ عبد العزيز واجتمع على الإسلام معه عصابة قوية صاروا يدعون من حولهم من القرى بالرغبة والرهبة ويقاتلون من حولهم من الأعراب ثم لما تمكن في قلوبـهم الإسلام وهم عرب غنام قرر لهم إن من دعا غير الله أو توسل بنبي أو ملك أو عالم فإنه مشرك شاء أو أبى اعتقد ذلك أم لا وتعدى ذلك إلى تكفير جمهور المسلمين وقد قاتلهم بـهذا الوجه الذي أبداه –
إلى قوله - بعد بلوغها الشيخ الفاضل عبد الرحمن النجدي ووصف لنا من حال ابن عبد الوهاب أشياء أنكر ما عليه من سفك الدماء ونـهبه الأموال وتجاربه على قتل النفوس ولو بالاغتيال وتكفيره الأمة المحمدية في جميع الأقطار ، فبقي معنا تردد فيما نقله الشيخ عبد الرحمن حتى وصل الشيخ مربد وله نباهة ووصل ببعض رسائل ابن عبد الوهاب التي جمعها في وجه تكفير أهل الإيمان وقتلهم ونـهبهم وحقق لنا أحواله وأفعاله وأقواله فرأينا أحواله أحوال رجل عرف من الشريعة شطر ولم يمعن النظر ولا قرأ على من يهديه نهج الهداية وبدله على العلوم النافعة ويفقهه فيها بل طالع بعضا من مؤلفات الشيخ أبي العباس ابن تيمية ومؤلفات تلميذه ابن القيم الجوزية وقلدهما من غير إتقان مع أنـهما يحرمان التقليد –
إلى قوله - ثم وقفت لهذا العهد على كتاب رد المحتار وحاشية الدر المختار للسيد محمد أمين بن عمر المعروف بابن العابدين بمصر حالا وكان في سنة ما لفظه : كما وقع في زماننا في إتباع عبد الوهاب الذي خرجوا من نجد وتغلبوا على الحرمين وكانوا ينتحلون مذهب الحنابلة كلنهم اعتقدوا أنـهم هم المسلمون وإن من خالف اعتقادهم مشركون واستباحوا بذلك قتل أهل السنة وقتل علمائهم حتى كسر الله شوكتهم وخرب بلادهم وظفر بـهم عساكر المسلمين عام ثلث وثلثين مائتين وألف " .
راجع كذلك الخلاصة الكلام لفقيه الشافعية زيني دحلان ، وغيره ممن كتبوا عن الوهابية ....
بعد هذا كله .. فلو لم تقتنع بان الشيعة لا يرون تحريف القران مذهبا .. فلو جاءك من نزل القرآن عليه وقال لك انك على خطأ فلن تقتنع أبدا وستصر على رأيك .. اتمنى ان تقرأ وأن تعلم ان الافكار والمفاهيم ليست هي سؤال وجواب نعم او لا .. فهناك مقدمات وأسس لو لم تكن ملما بها فلن تعرف معنى النعم ولا معنى اللا .. وستختلط عليك الامور .. وترى الحجه ليست حجه والدليل ليس دليلا .. بل والحق ليس حقا .. فبيان الشيء من اهله افضل من اتباع انصاف الافكار والحكم على الطوائف الاسلامية من غيرالرجوع اليها والتبين منها .. فأهل مكة ادرى بشعابها .
والحمد لله رب العالمين